تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد ( ص ) في مكة — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
هامش
واتفقت عشائرهم وكتبوا كتابا تعاقدوا فيه على مقاطعة بني هاشم مقاطعة تامة ؛ فلا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم ولا يبتاعوا منهم وبهذا الكتاب عادت الحرب العوان بين الفريقين ، ورجع الذين عادوا من الحبشة ، وذهب معهم من استطاع اللحاق بهم . وقد وجدوا هذه المرة عنتا من قريش إذ حاولت أن تمنعهم من الهجرة . ليس الصلح الذي يشير اليه المستشرق موير ، هو إذا الذي دعا المسلمين إلى العودة من بلاد الحبشة : انما دعاها هذه الهدنة التي حدثت على اثر اسلام عمر وحماسته في تأييد دين اللّه . فتأييد حديث الغرانيق إذا بحجة الصلح تأييد غير ناهض . أما احتجاج المحتجين من كتاب السيرة والمفسرين بالآيات : ( وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ) و ( ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ . . . ) فهو احتجاج أشد تهافتا من حجة السير موير ويكفى أن نذكر من الآيات الأولى قوله تعالى : ( وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ) لنرى أنه كان الشيطان قد ألقى في أمنية الرسول حتى لقد كاد يركن إليهم شيئا قليلا فقد ثبته اللّه فلم يفعل ، ولو أنه فعل لأذاقه اللّه ضعف الحياة وضعف الممات . وإذا فالاحتجاج بهذه الآيات احتجاج مقلوب . فقصة الغرانيق تجرى بأن محمدا ركن إلى قريش بالفعل ، وأن قريشا فتنته بالفعل فقال على اللّه ما لم يقل . والآيات هنا تفيد أن اللّه ثبته فلم يفعل . فإذا ذكرت كذلك أن كتب التفسير وأسباب النزول جعلت هذه الآيات موضعا غير مسألة الغرانيق ، رأيت أن الاحتجاج بها في مسألة تتنافى مع عصمة الرسل في تبليغ رسالتهم ، وتتنافى مع تاريخ محمد كله ، احتجاج متهافت ، بل احتجاج سقيم . أما الآيات : ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ . . . ) فلا صلة لها بحديث الغرانيق البتة ، فضلا عن ذكرها أن اللّه ينسخ ما يلقى الشيطان ويجعله فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ، ويحكم اللّه آياته واللّه عليم حكيم . وندع هذا إلى تمحيص القصة التمحيص العلمي الذي يثبت عدم صحتها . وأول ما يدل على ذلك تعدد الروايات فيها : فقد رويت ، كما سبق القول ، على أنها « تلك الغرانيق العلا وان شفاعتهن لترتجى » . ورواها بعضهم : « الغرانقة العلا ان شفاعتهم ترتجى » . وروى آخرون « ان شفاعتهن ترتجى » دون ذكر الغرانقة أو الغرانيق . وفي رواية رابعة : « وانها لهى الغرانيق العلا » وفي رواية خامسة : « وانهن لهن الغرانيق العلا . وان شفاعتهن لهى التي ترتجى » . وقد وردت في بعض كتب الحديث روايات أخرى غير هذه الروايات الخمس . وهذا التعدد في الروايات يدل على أن الحديث موضوع ، وأنه من وضع الزنادقة ، كما قال ابن إسحاق ، وأن الغرض منه التشكيك في صدق تبليغ محمد رسالات ربه . ودليل اخر أقوى وأقطع ؛ ذلك سياق سورة النجم وعدم احتماله لمسألة الغرانيق . فالسياق يجرى بقوله تعالى : ( لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى . أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى . وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى . أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى . تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى . إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى ) وهذا السياق صريح في أن اللات والعزى أسماء سماها المشركون هم واباؤهم ما أنزل اللّه بها من سلطان . فكيف يحتمل أن