Skip to main content

شرح المقاصد في علم الكلام — Page 306

Contributors:

P.306
أن اجتهاده في هذه المسئلة وحكمه بعدم القصاص على الباغي أو باشتراط زوال المنعة صواب واجتهاد القائلين بالوجوب خطأ ليصح له مقاتلتهم وهل هذا إلا كما إذا خرج طائفة على الإمام وطلبوا منه الاقتصاص ممن قتل مسلما بالمثقل قلنا ليس قطعنا بخطأهم في الاجتهاد عائدا إلى حكم المسئلة نفسه بل إلى اعتقادهم أن عليا رضي الله عنه يعرف القتلة بأعيانهم ويقدر على الاقتصاص منهم كيف وقد كانت عشرة آلاف من الرجال يلبسون السلاح وينادون إننا كلنا قتلة عثمان وبهذا يظهر فساد ما ذهب إليه عمرو بن عبيدة وواصل بن عطاء من أن المصيب إحدى الطائفتين ولا نعلمه على التعيين وكذا ما ذهب إليه البعض من أن كلتا الطائفتين على الصواب بناء على تصويب كل مجتهد وذلك لأن الخلاف إنما هو فيما إذا كان كل منهما مجتهدا في الدين على الشرائط المذكورة والاجتهاد لا في كل من يتخيل شبهة واهية ويتأول تأويلا فاسدا ولهذا ذهب الأكثرون إلى أن أول من بغى في الإسلام معاوية لأن قتلة عثمان لم يكونوا بغاة بل ظلمة وعتاة لعدم الاعتداد بشبهتهم ولأنهم بعد كشف الشبهة أصروا إصرارا واستكبروا استكبارا قال وفي حرب الخوارج الأمر أظهر لأن الحكمة من نصب الإمام وهي تألف القلوب واجتماع الكلمة كما يحصل بالقتال فقد يحصل بالتحكيم سيما وقد شرط أن يحكم الحكمان بكتاب الله ثم سنة رسول الله وأيضا ورد النص في إصلاح الزوجين بأن يبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها وغاية متشبثهم أن الله تعالى أوجب القتال لقوله تعالى * ( فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) * فلا يجوز العدول عنه إلى التحكيم والجواب بعد تسليم كون الأمر للفور أو كون الفاء الجزائية للتعقيب أنه إنما أوجب القتال بعد إيجاب الإصلاح وهذا إصلاح فلا يعدل عنه إلى القتال مالم يتعذر فإن قيل يزعمون أن الوقيعة في الصحابة رضي الله عنهم بالطعن واللعن والتفسيق والتضليل بدعة وضلالة وخروج عن مذهب الحق والصحابة أنفسهم كانوا يتقاتلون بالسنان ويتقاولون باللسان بما يكره وذلك وقيعة قلنا مقاولتهم ومخاشنتهم في الكلام كانت محض نسبة إلى الخطأ وتقرير على قلة التأمل وقصد إلى الرجوع إلى الحق ومقاتلتهم كانت لارتفاع التباين والعود إلى الألفة والاجتماع بعدما لم يكن طريق سواه وبالجملة فلم يقصدوا إلا الخير والصلاح في الدين وأما اليوم فلا معنى لبسط اللسان فيهم إلا التهاون بنقلة الدين الباذلين أنفسهم وأموالهم في نصرته المكرمين بصحبة خير البشر ومحبته قال وأما بعدهم يعني أن ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ والمذكور على ألسنة الثقاة يدل بظاهره على أن بعضهم قد حاد عن طريق الحق وبلغ حد الظلم والفسق وكان الباعث له الحقد والعناد والحسد واللداد وطلب الملك والرياسة والميل إلى اللذات والشهوات إذ ليس كل صحابي معصوما ولا كل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم بالخير موسوما إلا أن العلماء
شرح المقاصد في علم الكلام — Page 306 | التفتازاني