بخوف زوال النعم ، واطلب بقاء العز بإماتة الطمع ، وادفع ذل الطمع بعز اليأس ، واستجلب عز اليأس ببعد الهمة ، وتزود من الدنيا بقصر الأمل ، وبادر بانتهاز البغية عند إمكان الفرصة ، ولا إمكان كالأيام الخالية مع صحة الأبدان ، وإياك والثقة بغير المأمون فإن للشر ضراوة كضراوة الغذاء .
واعلم أنه لا علم كطلب السلامة ، ولا سلامة كسلامة القلب ، ولا عقل كمخالفة الهوى ، ولا خوف كخوف حاجز ، ولا رجاء كرجاء معين ، ولا فقر كفقر القلب ، ولا غنى كغني النفس ، ولا قوة كغلبة الهوى ، ولا نور كنور اليقين ، ولا يقين كاستصغارك الدنيا ، ولا معرفة كمعرفتك بنفسك ، ولا نعمة كالعافية ، ولا عافية كمساعدة التوفيق ، ولا شرف كبعد الهمة ، ولا زهد كقصر الأمل ، ولا حرص كالمنافسة في الدرجات ، ولا عدل كالإنصاف ، ولا تعدي كالجور ، ولا جور كموافقة الهوى ، ولا طاعة كأداء الفرائض ، ولا خوف كالحزن ، ولا مصيبة كعدم العقل ، ولا عدم عقل كقلة اليقين ، ولا قلة اليقين كفقد الخوف ، ولا فقد خوف كقلة الحزن على فقد الخوف ، ولا مصيبة كاستهانتك بالذنب ورضاك بالحالة التي أنت عليها ، ولا فضيلة كالجهاد ، ولا جهاد كمجاهدة الهوى ، ولا قوة كرد الغضب ، ولا معصية كحب البقاء ، ولا ذل كذل الطمع ، وإياك والتفريط عند إمكان الفرصة ، فإنه ميدان يجري لأهله بالخسران » .
قال ( 1 ) وحضره ذات يوم جماعة من الشيعة فوعظهم وحذرهم وهم ساهون لأهون ، فأغاظه ذلك ، فأطرق مليا ، ثم رفع رأسه إليهم وقال بعد كلمات في معاتبتهم طمست في نسخة الأصل :
« يا أشباحا بلا أرواح ، وذبالا ( 2 ) بلا مصباح خشب مسندة وأصنام مربدة ، ألا تأخذون الذهب من الحجر ، ألا تقتبسون الضياء من النور الأزهر ، ألا تأخذون
هامش
( 1 ) تحف العقول ص 211 .
( 2 ) في تحف العقول : ذبابا ، والصحيح ما أثبتناه والذبال : الفتيلة .