22261 - 3 ( الكافي 5 : 521 ) محمد ، عن ابن عيسى ، عن مروك بن عبيد ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : قلت له :
ما يحل للرجل من المرأة أن يرى إذا لم يكن محرما قال « الوجه والكفان والقدمان ( 1 ) » .
هامش
( 1 ) قوله « الوجه والكفان والقدمان » ناظر إلى قوله تعالى ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ، والاستثناء في الآية منقطع مثل قوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ، ولا ريب ان ما قد سلف لم يكن داخلا في المنهي عنه ، ومثله قوله تعالى إلا ما ذكيتم بعد حرمة الميتة لأن المذكى غير داخل في الميتات ، وكذلك قوله لا تأكلوا أموالكم بينكم بالماطل إلا أن تكون تجارة عن تراض ، ومثله قوله تعالى لا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها فإن الذي يظهر بنفسه غير داخل في المنهي عنه لأن الله تعالى نهى عن اظهار الزينة بالاختيار ، وليس ظهور الزينة بنفسها من غير اختيار داخلا في المنهي عنه لأن التكاليف تتعلق بالأفعال الاختيارية ، وهذا مثل أن يقال لا تأكل في الصوم شيئا إلا أن يدخل شيء في حلقك بغير اختيارك ، وقد فسر في هذه الأخبار ما يظهر بنفسه من غير اختيار بالوجه والكفين وذلك لأن المرأة ليست بمعذورة إن ظهر بعض أعضائها الآخر كالجيد والصدر والساق ، لأنها لا تظهر بنفسها في غالب عادات النساء إلا أن يكون في بيتها فيطلع عليها رجل أجنبي بغير اختيار ويرى غير الوجه والكفين ، ويشمله قوله تعالى إلا ما ظهر منها ، ولكن اتفاق وقوع مثله قليل ، وإنما يتفق الظهور بنفسه من غير اختيار غالبا في الوجه والكفين والقدمين لخروج المرأة في حوائجها وعدم اعتياد لبس الجوارب وستر الكف وزوال النقاب عن بعض الوجه بالريح ومثلها ، فقيد في هذه الأخبار الزينة الظاهرة بالوجه والكفين أو القدمين أيضا مع أنها تشمل زينة ساير الأعضاء أيضا .
والحاصل أنه لا فرق بين الوجه والكفين وساير الأعضاء ، أما اختيارا فلا يجوز ابداؤهما والنظر إليها ، وأما اضطرارا فهو خارج عن التكليف ولا حرج فيه ، وانما خص ذكر الوجه والكفين في الاستثناء لغلبة الاضطرار والظهور بنفسها فيها .
وقال بعض الشافعية أن الآية تدل على جواز النظر إلى الوجه والكفين مطلقا وعدم وجوب سترهما ، وهو من عجائب الأوهام ، وإنما غرهم ما روي عن ابن عباس أن المراد من الاستثناء الكحل والخاتم والخضاب ، وعن قتادة أنه الكحل والخاتم والخضاب ، وعن الضحاك وعطاء أنه الوجه والكفان ، وعن الحسن البصري أنه الوجه والبنان ، ولما نظروا إلى كلام هؤلاء المفسرين زعموا أنها مستثناة مطلقا ولو اختيارا ، وغفلوا عن الآية الكريمة ولم يدروا أن ما ذكروه ليس تفسيرا لمفهوم إلا ما ظهر منها ، لأن هذا المفهوم ظاهر لا يحتاج إلى تفسير ، ومفاده إلا ما ظهر بنفسه من غير أن تظهره المرأة اختيارا ، وإنما ذكر المفسرون المورد الذي يتفق فيه هذه الضرورة غالبا ليس بين ما ذكروه اختلاف ، وهذا مثل أن يفسر أحد قوله تعالى إلا ما ذكيتم بأن المراد به الأوعال والظباء والأنعام دون المسوخ ، إذ ليس مفاد هذا التفسير ترك مدلول الآية والحكم بحل الظباء والأنعام مطلقا ، بل بشرط التذكية بمفهوم الآية واخراج المسوخ من التذكية بمدلول الخبر ، وكذلك هنا يجب تخصيص الجواز بما يظهر بنفسه من غير اختيار بمدلول الآية وتقييده بالوجه والكفين بمدلول الروايات وقول المفسرين ، ثم إنه لم يبين هذا الرجل معنى الآية أعني قوله إلا ما ظهر منها هل هو ما ظهر منها بغير اختيار المرأة أو ظهر بفعلها واختيارها ؟ فإن قال ظهر بغير اختيار ثبت ما قلناه ، وإن قال ظهر بفعلها واختيارها فنقول أنه استثناء مستغرق مستهجن لا يليق بكلام الله تعالى البالغ في البلاغة حد الإعجاز وان ضم إليه ألف قيد من خارج لبيان المراد ، مثلا إذا قال الرجل لغلامه لا تأكل من هذا الطعام إلا إذا أردت أن تأكل ولا تمش إلى السوق إلا إذا اشتهيت أن تمشي ، ولا تسرق من مالي إلا إذا شئت أن تسرق ، فإن استثناء جميع الأفراد مستهجن جدا وإن انضم إليه بعد مدة قرينة مصححة لكلامه ، وكذلك قل للمؤمنات لا يبدين زينتهن إلا أن يردن اظهار شيء منها باختيارهن ، ولا يكفي في دفع مثل هذا الاستهجان انضمام قيد آخر بعد ذلك بسنين ان المراد منه الوجه والكفان ، كما لا يصح أن يقول أحد رأيت جميع أهل البلد وقد رأى ثلاثة منهم ، وقد ذكر بعضهم أن المراد إلا ما ظهر في عادة النساء في عصر النبي صلى الله عليه وآله وهذا يرفع الاستهجان في الجملة ، لكن لا يصح معنى ، وذلك لأنه يستلزم أن لا تكون آية الحجاب على خلاف عادة الناس ذلك العصر ، بل يكون تقريرا لما كانت النساء عليه ، فما كانت عادتهن على ستره واجبا شرعا أيضا ، وما كان مكشوفا في عادتهن بقي على الجواز مع أن الأخبار والسير تدل على تعيير عادتهن بعد آية الحجاب ، فوجب عليهن ستر ما لم يكن يسترنه ، وكن يتحجبن بعدها عما لم يكن يتحجبن ، وقالوا بعد نقل كثير من القصص ان هذا كان قبل نزول آية الحجاب ، وقد مر في كتاب الحسبة والأحكام ما يدل على أن عادة النساء كانت بالستر ، ومضى حكم الشهادة عليهن إذا لم يعرفن ، وقد روي أن عائشة كانت تحتجب عن قبر عمر بعد أن دفن في بيتها مع أبي بكر والنبي صلى الله عليه وآله ، وكانت قبل ذلك تزور القبرين مكشفة ، ولما دفن عمر بجنبهما كانت تحتجب كلما أرادت الدخول إلى البيت الشريف ، ولما زارها معاوية بعد الخلافة احتجبت وتكلمت معه من وراء الستر المرخي .
وبالجملة فالقول بجواز النظر إلى الوجه والكفين مطلقا ضعيف غاية الضعف ، وإن ذهب إليه بعض علمائنا تبعا لبعض الشافعية غفلة عما تقتضيه الآية الكريمة ، وجعلا لما ورد في تفسير ما ظهر منها وأنه الوجه والكفين تفسيرا مفهوميا كأنهم زعموا أن الآية بعد التفسير هكذا : لا يبدين زينتهن إلا الوجه والكفين ، وقد تبين مما ذكرنا الوجه الصحيح في هذا التفسير ، وعندنا ثلاثة أقوال : الجواز مطلقا ، وعدمه مطلقا والتفصيل بين النظرة الأولى والثانية ، والصحيح من هذه الأقوال هو القول الأوسط ، وهو الذي قواه فقيه عصرنا في الوسيلة ، والأظهر أن القول الثالث راجع إلى الثاني ، فيكون هو القول المشهور بين الشيعة أيدهم الله تعالى . « ش » .