الصلح فلا يزال بهم حتى يصطلحوا لئلا يفتضح الشهود ويستر عليهم وكان رؤوفا رحيما عطوفا متحننا على أمته ( ص )
فإذا كان الشهود من أخلاط الناس عرفا لا يعرفون ولا قبيلة لهما ولا سوق ولا دار أقبل على المدعى عليه وقال ما تقول فيهما فإن قال ما عرفت إلا خيرا غير أنهما قد غلطا فيما شهدا علي أنفذ عليه شهادتهما وإن جرحهما وطعن عليهما أصلح بين الخصم وخصمه أو حلف المدعى عليه وقطع الخصومة بينهما صلّى الله عليه وآله وسلّم » .
16400 - 8 الكافي - 7 / 415 / 1 / 1 التهذيب - 6 / 229 / 4 / 1 الخمسة و [ عن - خ ل ] جميل وهشام عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال
الفقيه ، 3 / 32 / 3267 « قال رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله وسلّم : البينة على من ادعى واليمين على من ادعي عليه ( 1 ) » ( 2 ) .
هامش
( 1 ) وأورده في الفقيه - 4 : 98 رقم 5175 أيضا .
( 2 ) قوله « البينة على من ادعى واليمين على من ادعى عليه » المدعي والمدعى عليه محال على عرف الناس فأول من يرافع ويشكو فيه عند القاضي مدع والذي يحضره القاضي ولا يأتي بنفسه مدعى عليه فتشخيص المدعي والمدعى عليه بالتقدم والتأخر والمجئ اختيارا أو بالاستدعاء والطلب وهذا واضح أول مرة وهو المعنى العرفي الذي يفهمه الناس من كلمتي المدعي والمدعى عليه والبينة على الأول واليمين على الثاني بمقتضى الحديث الشريف النبوي ولكن ورد في الشرع الحنيف موارد كثيرة اكتفى فيها بيمين من يشكو ويأتي القاضي أولا مثل دعوى القتل مع اللوث ومدعي صحة معاملة في مقابل من يعترف بوقوع المعاملة وينكر صحتها ومدعي مالا يعرف إلا من قبله وغير ذلك مما لا يحصى ويقف عليه المتتبع ، فلا بد من التفحص عنه وقد يشتبه الأمر من وجه آخر بأن يدخل دعوى على أخرى مثل أن يطلب وديعة أودعها عند رجل فهو مدع لأنه جاء أولا عند القاضي باختياره والودعي مدعى عليه لأنه يحضر باستدعاء القاضي فإن أقر بالوديعة وادعى الرد صار مدعيا فدخل دعواه على الدعوى الأولى وليس ممن لو ترك الخصومة ترك ولعله يشك العرف في صدق المدعي ولذلك ذكروا له تعريفا آخر وهو ان المدعي من يدعي خلاف الأصل أو الظاهر حتى يشمل مثل هؤلاء المدعين بوضوح فأشكل الأمر من جهة تشخيص الأصل والظاهر في أقسام الدعاوي فاحتاج الفقهاء إلى أن يذكروا في كل أبواب المعاملات مسائل التنازع وأن الذي لا يقبل قوله إلا بالبينة . من هو من المتخاصمين وهذا أمر مهم إذ لا يجوز للقاضي أن يكلف بالبينة من لم يكلف بذلك في الشرع فيبطل حقه وأيضا فان مطالبة البينة منه ظلم غير جائز عقلا أو حرج منفي كالأمين فإنه ائتمنه الخصم وقد أحسن الأمين بقبول الأمانة فلا يجوز عقلا أن يكلف بالإشهاد على تلف المال أو أداء ما ائتمن عليه فإنه قبيح وكمدعي الانفاق على الزوجة إذ لم تجر العادة بالاشهاد عليه كل يوم ولم يؤمر في الشرع بالإشهاد واكتابه كما أمر به في الديون وهو حرج ، إذ يبتلى به جميع الناس في مدة عمرهم وليس الانفاق مما يمكن أن يترك عند عدم امكان الاشهاد عليه كبيع الدار وكذلك النقد في البيوع فان الاشهاد عليه حرج وجرت السيرة من صدر الإسلام على ذلك إلى الآن بخلاف السلف والنسية فيجب أن يكتفي باليد والتصرف ولا يكلف ذو اليد بإقامة البينة في اثبات الملك وبالجملة فقد بحث عن ذلك الفقهاء في كتب الفقه في أبواب المعاملات ويحتاج إليه القاضي وهو من أصعب المسائل ولا يمكن تحقيقه للمقلد البتة هو مما تكعكع فيه أعاظم الفقهاء واختلف فيه الأنظار فيبحث أولا في مسائل التنازع عن وجود دليل خاص في تلك المسألة أو قد يرى الشارع في مورد المصلحة والعدل أن يكون اليمين على المدعي كما ورد في اختلاف المتبايعين في قدر الثمن إن القول قول البائع إن كان المثمن قائما بعينه وقول المشتري إن لم يكن وإن لم يكن دليلا خاص يجب البحث عن تطبيق المسألة على القواعد الكلية وإنه مما يعتبر فيه الأصل أو الظاهر .
وبالجملة البحث في كل واحد منها خارج عن كتاب القضاء ونذكر هنا أمثلة ليتذكر الناظر هنا قواعد كلية مر عليها في الفقه ويقيس بعضها على بعض ويسهل علينا التنبيه عليها وبهم بنا النظر في أن الأصل الذي هو ملاك الاعتبار ما معناه فان الأصوليين ذكروا للأصل معاني أربعة وما الدليل على تفسير المدعي بذلك وأيضا إذا جرت أصول متعارضة فما المقدم منها وهل يتصور تعارض الأصول في مورد أو لا إذ قد يختلج بالبال أن الأصل بأي معنى كان هو الذي جرت عادة الناس بالبناء عليه وهذا لا يمكن التعارض فيه إلا إذا كان الأصل بمعنى الدليل وليس بمراد هنا قطعا مثلا إذا كان بناء الناس على الحقيقة فلا يمكن يكون بناؤهم على المجاز وإذا كان بناؤهم على الحمل على الغالب فلا يتصور الغالب في طرفين وإذا كان بناؤهم على مالكية ذي اليد وعدم سهو الغافل فلا يمكن أن يكون بناؤهم على خلافه والتعارف في النظر البدوي بمعنى عدم وجود أصل في هذا المورد أصلا ولو اختلفا في شئ وكان خلافهم متفرعا على اختلاف آخر كأن يدعي الزوجة النفقة وينكرها الزوج لأنه يدعي طلاق امرأته وتنكر المرأة الطلاق فالقول قول المرأة في مسألة الطلاق لأنها منكرة ويتفرع عليه ثبوت النفقة لو خليت ونفسها مع قطع النظر عن التفريع فالزوج هو المنكر والحق أن العبرة بالأصل دون الفرع ويستفاد من كلامهم أن الذي يريد تغيير الوضع الموجود وصرف الحالة الفعلية إلى حالة أخرى هو الذي يكلف بإقامة الدليل بخلاف من يريد ابقاء الوضع الموجود على ما هو عليه وهذا هو الحق والعدل فإن ثبت في الشرع غير ذلك فهو خارج بالنص .
قال في الروضة لو اختلفا في قدر الحق المرهون به حلف الراهن على الأقرب لأصالة عدم الزيادة وبراءة ذمته منها ولأنه منكر وللرواية وقيل قول أن الدعوى بالنظر إلى الدين من حيث هو دين غيرها بالنظر إلى الرهن من حيث هو رهن أما بالنظر إلى الدين فالقول قول المديون لأنه ينفي الزائد والأصل براءة ذمته منه وأما بالنظر إلى الرهن فالقول قول المرتهن لأن المتداعيين متفقان على تعلق حق المرتهن بالعين المرهونة والشك في رفع هذا الحق بدفع الأقل والأصل عدم الرفع لكن لما كان الاختلاف الثاني متفرعا عن الاختلاف الأول فينبغي على ما ذكرنا أن يشخص المدعي والمنكر بالنظر إليه فإذا حلف على كون الدين أقل تفرع عليه ارتفاع حق المرتهن بدفع الأقل وأما إذا نظرنا إلى أن الذي يترك لو ترك الخصومة هو الراهن دون المرتهن إن كان العين المرهونة في يده وأما إن كانت في يد الراهن فالذي يترك لو ترك الخصومة هو المرتهن فيتجه التفصيل وإن نظرنا إلى العادات في الرهن وإلى ظاهر الآية فيتجه أن يكون القول قول المرتهن مطلقا وذلك لأن الآية الكريمة جعلت مشروعية الرهن عندما لا يمكن كتابة الدين والاشهاد عليه وعادة الناس أيضا جارية على عدم الدقة في مدرك الدين وإحكامه مع وجود الرهن وهذا يدل على عدم كون الدائن مع وجود الرهن محتاجا إلى إقامته بينة على دينه فيكون القول قوله ولأن المرتهن أمين .
قال في المختلف قال ابن الجنيد والمرتهن يصدق في دعواه حتى يحيط بالثمن ما لم يكن بينة فإن زادت دعوى المرتهن على الرهن لم يقبل إلا ببينة وله أن يستحلف الراهن على ما يقوله انتهى .
فعلم من ذلك أن كل مورد لم يجر عادة الناس بالإشهاد عليه وقررهم الشارع على عادتهم أو صرح بعدم وجوب الإشهاد كان مظنة أن يكون القول قول المدعي بيمينه فان مالا يعتاد الناس الإشهاد فيه فالظاهر أن المتسلم أمين عندهم فعليهم أن يقبلوا قوله بغير بينة ويتفرع على ذلك ما لو ادعى أحدهما أن المال وديعة عند خصمه وقال الخصم بل هو رهن على دين واختلف الفقهاء في تقديم قول من يدعي الوديعة عند خصمه وقال الخصم بل هو رهن على دين واختلف الفقهاء في تقديم قول من يدعي الوديعة أو قول من يدعي الرهن وذلك لأن الودعي أمين فيقبل قوله إن ادعى أنه رهن على دين ثابت وأيضا فمقتضى الآية ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة أن الرهان في مورد عدم وجود الشاهد على الدين ولو أمكن دعوى الوديعة من المديون سقط فائدة الرهن عند عدم البينة إذ له استخلاص كل رهن بانكار الدين ودعوى الوديعة وهذا قول الشيخ في الاستبصار والد صدوق في المقنع .
صرح العلامة في المختلف في تشخيص من يطلب منه البينة إن كان هناك قضاء عرفي رجع إليه وحكم به بعد اليمين وقال : إن العادة قاضية بأن المرأة تأتي بالجهاز من بيتها فحكم لها به وأن العادة قاضية أيضا بأن ما يصلح للرجال خاصة فإنه يكون من مقتنياته دون مقتنيات المرأة وكذلك ما يصلح للمرأة خاصة يكون من مقتنياتها دون مقتنيات الرجل والمشترك يكون للمرأة قضاء لحق العادة السابقة ولو فرض خلاف هذه العادة في وقت من الأوقات أو صقع من الأصقاع لحكم بها وقال أيضا أن عادة الشرع في باب الدعاوي بعد النظر والاعتبار راجعة إلى ما ذكرناه ولهذا حكم بقول المنكر مع اليمين بناء على الأصل وبان المتشبث أولى من الخارج لقضاء العادة بملكية ما في يد الإنسان غالبا فحكم بايجاب البينة على من يدعي خلاف الظاهر والرجوع إلى من يدعي الظاهر .
وقال في كتاب النكاح من المختلف : قال الشيخ في الجزء الثالث من الخلاف إذا اختلف الزوجان بعد أن سلمت نفسها إليه في قبض المهر والنفقة فالذي رواه أصحابنا أن القول قول الزوج وعليها البينة إلى أن قال والوجه عندي أن القول قول المرأة مطلقا فيهما معا لأصالة عدم الإقباض والروايات في الصداق محمولة على الزمن الأول من أن المرأة إنما تدخل بعد قبض المهر انتهى .
ومقتضى كلامه في هذه المواضع أن العادة أو الظاهر والغالب هي الأصل إن وجدت ففي عادة أهل زماننا يفرق بين المهر والنفقة والقول قول المرأة في المهر وقول الزوج في النفقة ، لأن العادن أن الزوج ينفق كل يوم على زوجته ويعيشان معا وفي أثاث البيت التحالف ولم تجر العادة باحضار الشهود وإقامة البينات في الاتفاقات اليومية وشراء أثاث البيت من الرجل والمرأة .
قال في المختلف : إذا اشترى شيئا كان قد رآه قبل العقد صح ، فإن كان ناقصا كان له الرد فان اختلفا ، فقال المبتاع نقص وقال البائع لم ينقص قال الشيخ القول قول المبتاع لأنه الذي ينزع الثمن منه ولا يجب انتزاعه إلا ببينة أو إقرار والأقرب أن القول قول البائع لأن الأصل عدم النقصان واعتراف المشتري بالشراء إقرار بوجوب انتزاع الثمن منه انتهى .
وأورد هذه المسألة شيخنا المحقق الأنصاري مرتين أولاهما في شرائط العوضين وتعمق فيها غاية التعمق والحق أن الحكم فيها غير خال عن الشبهة وإن كان يتوهم أن القول قول البائع بلا إشكال كسائر الخيارات إذا اختلفا في وجود سببها وقول الشيخ قريب جدا اختاره جماعة من أعاظم الفقهاء وعندي أن تجويز الاكتفاء في المشتري بالرؤية السابقة وعدم صحة البيع بدون الرؤية والوصف لا ينفك عن قبول قوله في النقص وإلا لخلت الرؤية عن الفائدة وقد يتفق للمشتري أن يرى الدار قبل أن يعلم أن مالكه يبيعها يوما وهذه الرؤية شرط كاف في الصحة ولا بد منها فإذا أمر الشارع رجلا بأن يشتري ما رآه سابقا دون ما لم يره كان هذا في معنى أنه لو لم يكن على ما رآه لكان له الفسخ فإما أن يفسخ مع الإشهاد أو يقبل قوله بلا إشهاد والغالب أنه لا يخطر بباله الإشهاد على أوصاف الدار عند رؤيته إذا لم يختلج بباله أنه يشتريها يوما ، فإذا جوز الشارع لهذا الرجل أن يعتمد على رؤيته السابقة ويشتري ثم لم يقبل قوله في التغيير عما كان ولم يكن الاشهاد عليه ممكنا غالبا أو كان على خلاف مجرى العادة كان الاكتفاء بالرؤية السابقة لغوا إذا لم يعهد من أحد من المسلمين وغيرهم من سائر الملل أن يشهد على صفات كل ما يراه لاحتمال أن يشتريه يوما فإذن يعتبر بعد أن علمنا أن الشارع شرط رضا المشتري بالمبيع الذي رآه أن لا ينتزع منه الثمن إلا بعد العلم برضاه أو إقراره أو بينة وأما إذا اشترى معتمدا على أوصاف مذكورة في متن العقد فادعى المشتري التصريح بصفة غير موجودة وأنكر البائع وقال لم نصرح بتلك الصفة اتجه أن يكون القول قول البائع إذ يمكن الاشهاد على شروط المعاملة وألفاظها المذكورة في العقد ، فتبين أن كل ما لا يمكن الاشهاد عليه يجب إما أن لا يثبت حق فيه لأحد أو يقبل قول صاحب الحق من غير بينة وإلا فلا وجه لإثبات حق لا يقبل إلا بالبينة ولا يمكن اثباته إلا بالبينة فبين دعوى تغيير الأوصاف وسائر الخيارات فرق وعرضنا أن لا يتعجب المبتدئ من هذا الفرق الذي التزم به بعضهم لا القطع والجزم وأما شيخنا المحقق الأنصاري فوجه قولهم بما يوجب عدم الفرق بين ما نحن فيه وسائر الخيارات .
إن ادعى رجل أن ماله دين عند رجل آخر وقال الرجل الآخر بل هو وديعة عندي وغرضه ينفي الضمان عند التلف كان القول قول الودعي ويطلب البينة من المالك فإنه المدعي يترك لو ترك الخصومة وقيل يطلب البينة من مدعي الوديعة فإنه مقر بوقوع مال الغير في يده والأصل في اليد الضمان وعلى هذا فيجب على الودعي الإشهاد على كون المال وديعة حتى ينفي الضمان ويقبل قوله فيما سوى ذلك وعلى الأول لا ضرورة في الإشهاد على الوديعة والأولى أن لا يكون الودعي ملزما بالإشهاد وكما يقبل قوله في التلف وعدمه والقيمة كذلك يقبل قوله في أصل كونه وديعة وكون الأصل في اليد الضمان غير مسلم مطلقا وليس كذلك ما لو كان الاختلاف بينهما في الغضب والإعارة بأن ادعى المالك الغصب ومن هو في يده العارية فالمتجه أن يكون القول قول المالك والفرق بين العارية والوديعة أن المستعير يأخذ المال لمصلحة نفسه والودعي يأخذه لمصلحة المالك وليس على المحسنين سبيل ولا يدع في أن يؤمر المستعير بالإشهاد وإقامة البينة والحضور عند القاضي والجرح والتعديل وسائر ما في المرافعة والخصومة من التعب والفح فإنه أخذ المال لمصلحة نفسه فعليه أن يلتزم بما يستعقبها بخلاف الودعي وغرضنا من ذلك أن لا يعجب الناظر إن رأي بعض الفقهاء فرق بينها « ش » .