فيها بعض ما هو مثبت في اللوح الأعلى فيكون تارة عند المنام فيظهر به ما سيكون في المستقبل ( 1 ) .
وتارة ينقشع الحجاب بلطف خفي من اللَّه فيلمع في القلب من وراء ستر الغيب شيء من غرائب أسرار الملكوت في اليقظة فربما يدوم وربما يكون كالبرق الخاطف ودوامه في غاية الندور فلم يفارق الإلهام وحديث الملك الاكتساب في العلم ولا في محله ولا في سببه ولكن يفارقه في طريقه زوال الحجاب وجهته ولم يفارق الوحي الإلهام والحديث في شيء من ذلك بل في شدة الوضوح والنورية ومشاهدة الملك المفيد للعلم والكل مشتركة في أنها بواسطة الملك الذي هو القلم كما قال عز وجل « عَلَّمَ بِالْقَلَمِ » ( 2 ) ولعل الإشارة إلى هذه المراتب الثلاث في قوله سبحانه « وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا » ( 3 ) .
قال بعض العلماء السر في اطلاع النبي على الملك الموحي دون غيره أنه لما صقل روحه بصقالة العقل للعبودية التامة وزالت عنه غشاوة الطبيعة ورين المعصية بالكلية وكانت نفسه قدسية شديدة القوى قوية الإنارة لما تحتها لم يشغلها جهة فوقها عن جهة تحتها فتضبط الطرفين وتسع الجانبين ولا يستغرقها حسها الباطن عن حسها الظاهر فإذا توجهت إلى الأفق الأعلى وتلقت أنوار المعلومات بلا تعليم بشري من اللَّه يتعدى تأثيرها إلى قواها وتتمثل صورة ما تشاهده لروحها البشري ومنها إلى ظاهر الكون فتمثل للحواس الظاهرة سيما السمع والبصر لكونهما أشرف الحواس الظاهرة وألطفها فيرى شخصا محسوسا ويسمع كلاما منظوما في غاية الجودة والفصاحة أو يرى صحيفة مكتوبة .
فالشخص هو الملك النازل الحامل للوحي الإلهي والكلام هو كلام اللَّه والكتاب كتابه وقد نزل كل منها من عالم الأمر القولي القضائي وذاته الحقيقة
هامش
( 1 ) وتمام ارتفاع الحجاب يكون بالموت وبه ينكشف الغطاء وتارة ينقشع . . . كذا في « عش » .
( 2 ) العلق / 4 .
( 3 ) الشورى / 51 .