كلها منتهية إلى قدرته وتأثيره وعلمه وإرادته ومشيته إما بالذات أو بالعرض فأعمالنا وأفعالنا كسائر الموجودات وأفاعيلها بقضائه وقدره وهي واجبة الصدور منا بذلك ولكن بتوسط أسباب وعلل من إدراكاتنا وإراداتنا وحركاتنا وسكناتنا وغير ذلك من الأسباب العالية الغائبة عن علمنا وتدبيرنا الخارجة عن قدرتنا وتأثيرنا فاجتماع تلك الأمور التي هي الأسباب والشرائط مع ارتفاع الموانع علة تامة يجب عندها وجود ذلك الأمر المدبر المقضي المقدر وعند تخلف شيء منها أو حصول مانع بقي وجوده في حيز الامتناع ويكون ممكنا وقوعيا بالقياس إلى كل واحد من الأسباب الكونية ولما كان من جملة الأسباب وخصوصا القريبة منها إرادتنا وتفكرنا وتخيلنا وبالجملة ما نختار به أحد طرفي الفعل والترك فالفعل اختياري لنا فإن اللَّه أعطانا القوة والقدرة والاستطاعة ليبلونا أينا أحسن عملا مع إحاطة علمه .
فوجوبه لا ينافي إمكانه واضطراريته لا تدافع كونه اختياريا كيف وإنه ما وجب إلا بالاختيار ولا شك أن القدرة والاختيار كسائر الأسباب من الإدراك والعلم والإرادة والتفكر والتخيل وقواها وآلاتها كلها بفعل اللَّه تعالى لا بفعلنا واختيارنا وإلا لتسلسلت القدر والإرادات إلى غير النهاية وذلك لأنا وإن كنا بحيث إن شئنا فعلنا وإن لم نشأ لم نفعل لكنا لسنا بحيث إن شئنا شئنا وإن لم نشأ لم نشأ بل إذا شئنا فلم يتعلق مشيتنا بمشيتنا بل بغير مشيتنا فليست المشية إلينا إذ لو كانت إلينا لاحتجنا إلى مشية أخرى سابقة وتسلسل الأمر إلى غير النهاية ومع قطع النظر عن استحالة التسلسل نقول جملة مشياتنا الغير المتناهية بحيث لا يشذ عنها مشية لا تخلو إما أن يكون وقوعها بسبب أمر خارج عن مشيتنا أو بسبب مشيتنا والثاني باطل لعدم إمكان مشية أخرى خارجة عن تلك الجملة والأول هو المطلوب فقد ظهر أن مشيتنا ليست تحت قدرتنا كما قال اللَّه عز وجل « وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ( 1 ) » فإذا نحن في مشيتنا مضطرون ( 2 ) وإنما تحدث المشية عقيب الداعي وهو تصور الشيء الملائم تصورا ظنيا أو
هامش
( 1 ) الانسان / 30 - و - التكوير / 29
( 2 ) قال المحقق الطوسي نصير الملة والدين في بعض رسائله المعمول لتحقيق الأمر بين الأمرين : العبد مختار في الفعل والترك إلا أن مشيئته ليست تحت قدرته كما قال الله تعالى ( وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ) فأذن نحن في مشيئتنا مضطرون وفي عين الاختيار مجبورون " الهدايا " .