وكانت قصص الأيام في حلقات السمر التي تعقد أمام الأخبية والخيام للتسلية
والمتعة ، وللمفاخرة في بعض الحالات . ولم تكن تتداول كمادة علمية . والرأي الراجح
أنها لم تدون على الإطلاق .
والأنساب وإن كانت تدل على شعور بالماضي من خلال وعي الانتماء إلى الآباء الذين
تشتمل على ذكرهم شجرة النسب القبلية ، إلا أن علمنا بأن شجرات الأنساب كانت تقتصر
على مجرد ذكر الأسماء فقط دون أن تحتوي على أية مادة تاريخية ، علمنا بهذا الوضع
لشجرات الأنساب التي كانت تتداول عن طريق الروايات الشفوية يجعل قيمتها كمصدر
لتكوين الوعي التاريخي معدومة .
ومن المؤكد أن شجرات الأنساب في العصر الجاهلي لم تعرف أي شكل من أشكال التدوين
ليتيح فرصة إضافة مادة تاريخية إليها . ولم تدون شجرات الأنساب في كتب إلا في
عصر إسلامي متأخر نسبيا .
ويظهر لنا هذا الوميض من الشعور بالماضي لدى العربي الجاهلي في الشعور الذي يصور
مواقف أخلاقية للشاعر في مجالات الحرب ، والكرم ، والوفاء ، وما إلى ذلك ، حيث تدفع
الشاعر خشيته من ( أحاديث الغد ) التي تعكس مسلكية غير نبيلة إلى أن يجعل سلوكه
منسجما مع قيم النبالة كما تقضي بها أخلاقيات المجتمع الجاهلي فيكون وفيا ،
وشجاعا حتى الموت ، وكريما . . .
هذا الشعور يمكن أن يكون نواة للوعي التاريخي ، ولكنه لا يرقى ، بطبيعة الحال ، إلى
أن يكون وعيا تاريخيا بالمعنى الذي حددناه آنفا . إنه وعي ناشئ عن قيم أخلاقية
بدوية الطابع ، وليس عن وجود تاريخ يستوعبه الشعور والوجدان ، وهو مقصور على حالات
فردية لم تبلغ أن تكون وعيا عاما . وهو شعور بالخشية من تصرف شخصي أو موقف شخصي
قد يدفع الآخرين إلى إدانته ، وليس شعورا بإنجازات الآخرين وتفاعلا معها .
*
كان هذا حال العربي الجاهلي
التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام — صفحة 89
مساهمون: الشيخ محمد مهدي شمس الدين
ص٨٩