الزمن عنده مجرد تعاقب للظواهر الفلكية والفصول . ومن المعلوم أنه لم يكن لدى
العربي الجاهلي تقويم .
ونتيجة لكل هذه العوامل لم تتكون لدى العربي أية خبرات تاريخية ماضية ذات شأن ،
ناشئة من وقوع الأحداث نفسها من ناحية والشعور بها من ناحية أخرى - لا أحداث مشتتة
غير مترابطة - بل في نطاق نظام للتعاقب الزمني وللعلاقات الداخلية فيما بينها .
وبعبارة أخرى : لم يكن لدى العربي الجاهلي شعور باستمرار الأحداث وديمومتها ،
وتفاعلها الداخلي ، وعلاقاتها بحاضره ، وإمكانات تأثيرها في المستقبل على النحو الذي
يصح أن يسمى وعيا تاريخيا . لقد كان وعي الماضي على هذا النحو لدى العربي الجاهلي
قبيل الإسلام معدوما .
نعم ، لقد كان ثمة وميض من الشعور بالماضي لدى العربي الجاهلي .
كانت الذاكرة تحمل صورا غامضة ، هلامية الشكل ومشوهة لهذا الماضي ناشئة من
القصص التي كانت تسمى الأيام ، ومن العناية بالأنساب . لقد كانت الأيام
والأنساب كما البعد التاريخي للإنسان العربي .
إن هذا الوميض من الشعور بالماضي لا يرقى ، بالتأكيد ، إلى أن يكون وعيا تاريخيا
بالمعنى الذي نفهمه الآن .
فقصص الأيام نادرا ما تملئها الأحداث الكبرى ذات الشأن السياسي والإنساني وهو ما
يعطي التاريخ حقيقته ومعناه . وغالب أحداثها يتكون من معارك صغيرة بين مجموعات
قبلية ، ويعطيها الخيال الشعري والنصوص الشعرية المرافقة لها وهجا وحجما غير
واقعيين .
كما أنها تفقد عنصر الترابط فيما بينها ، ولا تأخذ في جميع الأحوال بنظر الاعتبار
عنصر السببية ، ولا تقوم بينها علاقات داخلية .
وهي خالية من عنصر الزمن ، وخلوها من عنصر الزمن ليس ناشئا من إهمال ، بل ناشئ من
عدم إدراك العربي الجاهلي لعامل الزمن التاريخي كما أشرنا آنفا .
التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام — صفحة 88
مساهمون: الشيخ محمد مهدي شمس الدين
ص٨٨