فهل بلغكم أن الدنيا سخت لهم نفسا بفدية 1 أو أعانتهم بمعونة ، أو
أحسنت إليهم صحبة . . ؟ بل أرهقتهم بالقوادح 2 وأوهقتهم بالقوارع 3
وضعضعتهم بالنوائب 4 ، وعفرتهم للمناخر 5 ، ووطئتهم بالمناسم 6 ، وأعانت
عليهم ريب المنون .
فقد رأيتم تنكرها لمن دان لها 7 وآثرها وأخلد إليها 8 حين ظعنوا عنها
لفراق الأبد . . . أفهذه تؤثرون ؟ أم إليها تطمئنون ؟ أم عليها تحرصون ؟
فبئست الدار لمن لميتهمها ، ولم يكن على وجل منها .
فاعلموا - وأنتم تعلمون - بأنكم تاركوها وظاعنون عنها ، واتعظوا فيها
بالذين قالوا ( من أشد منا قوة . . ) 9 حملوا إلى قبورهم فلا يدعون
ركبانا 10 . وأنزلوا الأجداث فلا يدعون ضيفانا 11 ، وجعل لهم من
الصفيح 12 أجنان 13 ومن التراب أكفان . . .
استبدلوا بظهر الأرض بطنا ، وبالسعة ضيقا ، وبالأهل غربة ،
وبالنور ظلمة . . . 14 .
*
ركز الإمام عليه السلام في هذه الخطبة الوعظية - كما هو شأنه في معظم مواعظه -
على عاملين ثابتين في طبيعة الحياة على هذه الأرض :
هامش
( 1 ) لم تدفع عنهم الدنيا بلاء الموت .
( 2 ) أرهقتهم : أتعبتهم . والقوادح : جمع قادح ، مرض يصيب الأسنان والشجر . أراد به هنا
المصائب والنكبات .
( 3 ) الوهق : حبل تصطاد به الفريسة ، والقوارع : المحن . أراد أنهم أسرى مشاكلهم المادية
والاجتماعية .
( 4 ) ضعضعتهم : جعلتهم قلقين ، وحرمتهم الاستقرار وطنب العيش .
( 5 ) عفرتهم : العفر التراب ، مرغت آنافهم بالتراب ، كناية عن إذلالهم .
( 6 ) المنسم : خف البعير ، كناية عن إذلالهم .
( 7 ) دان : خضع .
( 8 ) أخلد : اطمأن .
( 9 ) سورة فصلت ( رقم 41 مكية ) الآية : 15 .
( 10 ) لا يدعون ركبانا لأنهم مقهورون ولم يحملوا مختارين . ولا يدعون
ضيفانا لأنهم يقيمون في قبورهم .
( 11 ) الأجداث : القبور .
( 12 ) الصفيح : الوجه من كل شئ له مساحة ، والمراد هنا الأرض .
( 13 ) أجنان : جمع جنن - بالفتح - القبر .
( 14 ) نهج البلاغة - رقم الخطبة : 111 .