والمواعظ التي استخدم الإمام فيها عنصر التاريخ كغيرها من مواعظه في أنه لا يدعو
فيها إلى مذهب زهدي سلبي من الحياة الدنيا ، وإنما يعالج بها حالة خاصة في مجتمعه
الذي بدا غافلا عن مصيره التعس ، مهملا لواجباته في جهاد النفس وجهاد العدو ،
متلهفا على المتع والثراء اللذين لا يستحقهما الا مجتمع مستقر أحكم وضعه الأمني
والسياسي والاجتماعي ، وقطع دابر الطامعين فيه المتآمرين عليه ، وهذا ما لم يكنه
مجتمع العراق في عهد الإمام عليه السلام ، بل كان مجتمعا قلقا يعاني من اضطراب
أمنه الخارجي وتدهور أمنه الداخلي ، كما يعاني من التمزق السياسي ، وكان - نتيجة
لذلك - يؤجج مطامع الحكم الأموي في الشام ويدفع به نحو التآمر عليه .
ونقدم فيما يلي نموذجا من النصوص الوعظية التي يكون التاريخ عنصرا بارزا
وأساسيا فيها .
قال عليه السلام :
أما بعد ، فإني أحذركم الدنيا ، فإنها حلوة خضرة ،
حفت بالشهوات ، وتحببت بالعاجلة ، وراقت بالقليل ، وتحلت بالآمال ،
وتزينت بالغرور ، لا تدوم حبرتها 1 ، ولا تؤمن فجعتها ، غرارة ضرارة ،
حائلة 2 زائلة نافدة بائدة 3 ، أكالة غوالة 4 ، لا تعدو - إذا تناهت إلى أمنية
أهل الرغبة فيها والرضاء بها أن تكون كما قال الله تعالى سبحانه
كماء أنزلناه من السماء ، فاختلط به نبات الأرض ، فأصبح هشيما 5 تذروه
الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا 6 ، لم يكن امرؤ منها في حبرة
الا أعقبته بعدها عبرة ، ولم يلق في سرائها بطنا إلا منحته من ضرائها
ظهرا 7 ، ولم تطله فيها ديمة 8 رخاء إلا هتنت 9 عليه مزنة بلاء . وحري إذا
أصبحت له منتصرة
هامش
1 . الحبرة : بالفتح - النعمة .
( 2 ) حائلة : متغيرة .
( 3 ) نافدة : فانية .
( 4 ) غوالة : مهلكة .
( 5 ) الهشيم : النبت اليابس .
( 6 ) سورة الكهف ( رقم 18 مكية ) الآية : 45 .
( 7 ) البطن كناية عن إقبال الدنيا ، والظهر كناية عن الإدبار .
( 8 ) الطل : المطر الخفيف . والديمة : مطر يدوم في سكون لا يرافقه رعد وبرق .
( 9 ) هتنت : انصبت .