أن تمسي له متنكرة ، وإن جانب منها اعذوذب واحلولى أمر منها جانب
فأوبى 1 لا ينال امرؤ من غضاريها رغبا 2 إلا أرهقته من نوائبها تعبا ، ولا
يمسي منها في جناح أمن إلا أصبح على قوادم خوف 3 . غرارة ما فيها ،
فانية ، فان من عليها ، لا خير في شئ من أزوادها إلا التقوى .
من أقل منها استكثر مما يؤمنه ، ومن استكثر منها استكثر مما
يوبقه 4 ، وزال عما قليل عنه .
كم من واثق بها قد فجعته ، وذي طمأنينة إليها قد صرعته ، وذي أبهة قد
جعلته حقيرا 5 ، وذي نخوة قد ردته ذليلا 6 .
سلطانها دول 7 وعيشها ريق 8 ، وعذبها أجاج 9 ، وحلوها صبر 10 ، وغذاؤها
سمام 11 وأسبابها رمام 12 .
حيها بعرض موت ، وصحيحها بعرض سقم ، وموفورها منكوب 13 وجارها
محروب 14 .
ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعمارا وأبقى آثارا ، وأبعد آمالا ،
وأعد عديدا . وأكثف جندا ؟ تعبدوا للدنيا أي تعبد ، وآثروها أي
إيثار ، ثم ظعنوا عنها بغير زاد مبلغ ، ولا ظهر قاطع 15 .
هامش
( 1 ) أوبى : صار كثير الوباء .
( 2 ) الغضارة : النعمة ، والرغب : الرغبة ، والمرغوب فيه .
( 3 ) القوادم : جمع قادمة ، ريش في مقدم جناح الطائر .
( 4 ) يوبقه : يهلكه .
( 5 ) أبهة : عظمة .
( 6 ) النخوة : الافتخار .
( 7 ) دول - بضم الدال - المنحول .
( 8 ) الريق : الكدر .
( 9 ) أجاج : شديد الملوحة .
( 10 ) الصبر : عصارة الشجر المر .
( 11 ) سمام : جمع سم ، وهو مثلث السين .
( 12 ) الرمام : جمع رمة - بالضم ، القطعة البالية من الحبل ، ومنه ( ذو الرمة ) .
( 13 ) موفورها . . : من كان عنده وفر ( كثرة ) من الدنيا معرض للمصائب والنكبات .
( 14 ) محروب : المحروب من سلب ماله .
( 15 ) ظهر قاطع : وسيلة تقطع براكبها الطريق بأمان وتبلغه غايته .