التاريخ جذور المشكل الإنساني ، ويتقصى جهود الإنسانية الدائبة في سبيل حل هذا
المشكل بنحو يعزز قدرة الإنسان على التكامل الروحي - المادي ، كما يعزز قدرته على
تأمين قدر ما من السعادة مع الحفاظ على الطهارة الإنسانية .
وقد كان الإمام علي يتعامل مع التاريخ بهذه الروح ومن خلال هذه النظرة ، ومن ثم
فلم يتوقف عند جزئيات الوقائع إلا بمقدار ما تكون شواهدا ورموزا ، وإنما تناول
المسألة التاريخية بنظرة كلية شاملة ، ومن هنا فقلما نرى الإمام في خطبه وكتبه
يتحدث عن وقائع وحوادث جزئية ، وإنما يغلب على تناوله للمسألة التاريخية طابع
الشمول والعمومية .
والإمام ليس مؤرخا ، ولذا فليس من المتوقع أن نجد عنده نظرة المؤرخ وأسلوب في سرد
الوقائع وتحليلها والحكم عليها ، وإنما هو رجل دولة حاكم ، ورجل عقيدة ورسالة فيها
كل حياته ، فهو يتعامل مع التاريخ باعتباره حركة تكون شخصية الإنسان الحاضرة
والمستقبلة ، ولذا فهي تشغل حيزا هاما وعلى درجة كبيرة من الخطورة في عملية
التربية والتحرك السياسي ، وهذا ما يجعل رجل رسالة وحاكما كالإمام علي عليه السلام
حريصا على أن يدخل في وعي أمته التي يحمل مسؤولية قيادتها ومصيرها . . . إلى
التاريخ سليمة تجعله قوة بانية لا مخربة ولا محرفة .
*
ونحن نعرف عناية الإمام علي ( ع ) الفائقة بالتاريخ واهتمامه البالغ بشأنه من نص ورد
في وصيته التي وجهها إلى ابنه الإمام الحسن عليه السلام كتبها إليه بحاضرين 1 عند
انصرافه من صفين ، قال فيه :
1 - قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : 16 / 52 - أما قوله كتبها إليه
بحاضرين فالذي كنا نقرؤه قديما ، كتبها إليه بالحاضرين ، على صيغة التثنية ،
يعني حاضر حلب وحاضر قنسرين ، وهي الأرباض والضواحي المحيطة بهذه البلاد ، ثم _ _ _ بعد
ذلك على جماعة من الشيوخ بغير لام ، ولم يفسروه ، ومنهم من يذكره بصيغة الجمع لا
بصيغة التثنية ، ومنهم من يقول : خناصرين يظنونه تثنية خناصرة أو جمعها . وقد طلبت
هذه الكلمة في الكتب المصنفة سيما في البلاد والأرضين فلم أجدها ، لعلي أظفر بها
فيما بعد فألحقها في هذا الموضع .
قال الشيخ محمد عبده في شرحه : حاضرين : اسم بلدة بنواحي صفين .
التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام — صفحة 32
مساهمون: الشيخ محمد مهدي شمس الدين
ص٣٢