الإمام في مواجهة التاريخ
كان أمير المؤمنين علي عليه السلام ، كما يخبرنا هو ، وكما سنرى خلال هذه الدراسة
يوجه عناية فائقة إلى التاريخ ، عناية جعلت من التاريخ عنصرا بارزا فيما وصل
إلينا من كلامه في مختلف الموضوعات التي كانت تثير اهتمامه .
وعناية الإمام بالتاريخ ليست عناية القاص والباحث عن القصص . كما أنها ليست عناية
السياسي الباحث عن الحيل السياسية وأساليب التمويه التي يعالج بها تذمر الشعب ،
وإنما هي عناية رجل الرسالة والعقيدة ، والقائد الحضاري والمفكر المستقبلي .
إن القاص يبحث ليجد في تاريخ الماضين وآثارهم مادة للتسلية والإثارة . والسياسي
يبحث ليجد في التاريخ أساليب يستعين بها في عمله السياسي اليومي في مواجهة المآزق ،
أو يستعين بها في وضع الخطط الآنية المحدودة 1 .
والمؤرخ يقدم لهذا وذاك المادة التاريخية التي يجدان فيها حاجتهما .
أما الرائد الحضاري ، رجل الرسالة والعقيدة ورجل الدولة فهو يبحث ليجد في
هامش
( 1 ) قال المسعودي في تقريره عن النشاط اليومي لمعاوية بن أبي سفيان . . . ويستمر
إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها والعجم وملوكها وسياستها لرعيتها ، وسير ملوك
الأمم وحروبها ومكايدها . وسياستها لرعيتها وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة . . . ثم
يقوم فيقعد فيحضر الدفاتر فيها سير الملوك وأخبارها ، والحروب والمكايد . فيقرأ ذلك
عليه غلمان له مرتبون وقد وكلوا بحفظها وقراءتها ، فتمر بسمعه كل ليلة جمل من
الأخبار والسير والآثار وأنواع السياسات . . . - مروج . . . ( بتحقيق محمد محيي الدين
عبد الحميد ) - مطبعة السعادة - الطبعة الثانية ( 1367 هجري - 1948 م ) الجزء الثالث
- ص 40 .