الأخيرة من حياته . . . واستمرت بعد استشهاده ، وزادت ضراوة وعنفا حين فترت الهمم
وتقاعست العزائم عن التصدي الفعال لها ، فانتصرت وسادت - قبل عهد الثورات - حركة
الردة .
ومن هنا فقد كثر كلام الإمام علي عن هذه الفتنة من جميع وجوهها : نعرض أسباب وبدايات
حدوثها ، وآلية حركتها ، والموقف منها .
أ - كيف تبدأ الفتنة ؟
كيف تبدأ الفتنة ؟ . قال عليه السلام :
إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع ، وأحكام تبتدع ، يخالف فيها
كتاب الله ، ويتولى عليها رجال رجالا على غير دين الله . فلو أن الباطل
خلص من مزاج الحق لم يخف على المرتادين 1 ولو أن الحق خلص من لبس
الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين 2 ولكن يؤخذ من هذا ضغث 3 ومن هذا
ضغث فيمزجان فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه . وينجو ( الدين سبقت
لهم منا الحسنى ) 54 .
هذا النص يكشف عن عاملين يكونان الفتنة الغالبة :
أحدهما :
تغليب المقياس الذاتي في القيم على المقياس الموضوعي أهواء تتبع فبدلا من أن
يكون المرجع في القيم النظام العقيدي والتشريعي للمجتمع ، يتجاوز رواد الفتنة هذا
النظام فيرجعون إلى النوازع الذاتية والعاطفية والمصلحية فتكون هي المقياس
بالمعتمد وهو المرجع الأخير في القيم والسلوك ، وعلى ضوء ما تمليه تتخذ المواقف من
الأحداث والأشخاص .
هامش
( 1 ) المرتاد : الطالب .
( 2 ) اللبس : الملابسة والمخاطبة .
( 3 ) الضغث من الحشيش القبضة منه . يعني يخلط شئ من الحق بشئ من الباطل فيشتبه
أمرهما وتحصل الفتنة .
( 4 ) سورة الأنبياء ( مكية - 21 ) الآية 101 .
( 5 ) نهج البلاغة - الخطبة رقم : 50