مواجهتها بأسلوب يعطي الأولوية في الحل لمصلحة القضايا المبدئية والعامة ، لا
للجانب الشخصي والعائلي .
هذه هي ، فيما نرى ، أبرز سمات الفتنة العارضة .
ج - الفتنة الغالبة
هذا النوع الثالث من أنواع الفتنة ، هو ، كما يدل عليه الوصف الذي اخترناه له ، دون
الفتنة الشاملة ، وفوق الفتنة العارضة .
وقد تنشأ الفتنة الغالبة من تدهور سياسي عقيدي - تشريعي كبير يحل بالمجتمع أثناء
حركته الانبعاثية ، أو بعد بلوغه الذروة .
كما قد تنشأ من فتنة عارضة تهمل القيادة جانب الحكمة في مواجهتها ، أو تغفل عنه ،
فتتعاظم عثرة المجتمع ، وتتغذى الحالة الانحرافية بالتناقضات المستكنة في أعماق
التركيب الاجتماعي ، كما أنها تتغذى بالقيم القديمة التي أجبرها النظام الجديد
على أن تنسحب من دائرة العمليات الاجتماعية إلى الظلام .
وتفشل النخبة في علاج العثرة بسب عجز هذه النخبة ، أو بسبب تناحر أجنحتها وانحياز
بعض الأجنحة إلى خط الانحراف .
وعامل الزمن في مصلحة الانحراف ، فكلما مضى على الانحراف يوم دون أن يوضع له حد
ودون أن يقوم ، يزداد رسوخا وتمكنا ، ويستوعب مساحة جديدة من المجتمع ، ويكون لدى
مزيد من الناس قناعات في صالحه بينما تزداد النخبة عجزا ، وعزلة ، وتفقد مزيدا
من مواقعها .
وقبل مضي زمن طويل على الانحراف الذي أنشب مخالبه في كيان المجتمع ، وفشلت النخبة
في القضاء عليه - يشيع هذا الانحراف ، ويطبع كثيرا من أوجه الحياة ، ويغدو عرفا أو
قانونا أو سنة متبعة ، تحميه وتصونه قناعات تتأصل في الثقافة ، وتغدو جزءا من
تكوين المجتمع الثقافي .
قلنا : إن هذا يحدث قبل مضي زمن طويل على حدوث الانحراف ، لأن الانحراف عادة يكون
إلى جانب اليسر والسهولة والحياة الهينة وهذا ما يغري بالاتباع
التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام — صفحة 165
مساهمون: الشيخ محمد مهدي شمس الدين
ص١٦٥