شرح
كما أنّ أدلّة حجّيّتها إن اُخذت مقيسة إلى أدلّة الأصل كانت حاكمة عليها بالمعنى الآتي ، فورود الأمارات الظنّية على الاُصول العمليّة ليس بنفسها بل بانضمام أدلّة حجّيّتها واعتبار حكومتها على أدلّة الاُصول .
لكن هذا في الاُصول الّتي مؤدّياتها أحكام شرعيّة مجعولة من الشارع ، كأصلي البراءة والإباحة والاستصحاب بناءً على استفادتها من عمومات الكتاب والسنّة ، وأمّا لو كانت أحكاماً عقليّة صرفة من دون جعل شرعي فيها - كالبراءة الأصليّة ، ووجوب الاحتياط على القول به ، والتخيير في مسألة دوران الأمر بين المحذورين الّتي يحكم بها العقل لعدم البيان في الأوّل واحتمال العقاب في الثاني وعدم الترجيح في الثالث - فلا حاجة في اعتبار ورود الأمارة عليها إلى ملاحظة أدلّة حجّيّتها واعتبار حكومتها ، وإن احتاجت الأمارة في حجّيّتها إلى وجود تلك الأدلّة ، بل الأمارة بعد الحجّية بنفسها رافعة لموضوعات هذه الاُصول وهي عدم البيان واحتمال العقاب وعدم الترجيح ، لأنّها في الأوّل بيان وفي الثاني تؤمننا عن العقاب وفي الثالث مرجّحة ، فمع ورودها لا يحكم العقل بالبراءة ولا الاحتياط ولا التخيير ، فيبقى الحكم المستفاد منها سليماً عن المعارض .
وإنّما جعل المذكورات من الموضوع لحكم العقل مع أنّها مناط له وحيثيّات تعليليّة لا تقييديّة ، إذ ليس المراد بالموضوع في نظائر المقام هو الموضوع المنطقي الّذي يعدّ عندهم من أجزاء القضيّة ، وهو ما وضع وعيّن لأن يحكم عليه بالمحمول ، بل المراد به ما له مدخليّة في الحكم ولو كان بالقياس إليه من قبيل العلّة أو السبب والشرط الاُصوليّين ، وإطلاق الموضوع على هذا المعنى في كلامهم شائع ، ومنه ما في مباحث المنطوق والمفهوم من جعل معيار الفرق بينهما كون الموضوع في الأوّل مذكوراً في الكلام وفي الثاني غير مذكور فيه ، وعدّهم منه المجيء وعدم المجيء مثلا في مدلولي « إن جاءك زيد فأكرمه » مع كون المجيء سبباً اُصوليّاً لوجوب إكرامه ، بل عدم العلم المأخوذ في موضوع الاُصول على تقدير كونها من المجعولات الشرعيّة أيضاً عند التحقيق مناط للحكم وحيثيّة تعليليّة في الواقع لا حيثيّة تقييديّة وإن كان يؤخذ وصفاً للواقعة ويعبّر عنها بما لم يعلم حكمه بالخصوص ، لوضوح أنّ الإباحة المجعولة وغيرها لا تعرض الواقعة الغير المعلومة الحكم بوصف أنّها كذلك على وجه يكون عدم معلوميّة الحكم جزءاً لمعروض الإباحة ، بل إنّما تعرض الواقعة لجهالة حكمها الواقعي ومن حيث عدم العلم بحكمها بالخصوص ، ولا نعني من الحيثيّة التعليليّة إلاّ هذا المعنى .