شرح
وما في حديث الخلافة : « فقلّدها رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عليّاً ( عليه السلام ) » أي جعلها في رقبته ، وكأنّه بحسب الاستعمال استعارة فيه باعتبار المادّة ، لكون ما يجعل في العنق والرقبة لازماً له ، كلزوم القلادة له ، كما ربّما يومئ إليه كلام الفيّومي في المصباح المنير قال : « وتقليد العامل توليته كأنّه جعل قلادةً في عنقه » ولعلّه إنّما يسمّى المعنى العرفي الّذي ستعرفه تقليداً لأنّ المقلّد بالتزامه لفتوى المجتهد في كلّ مسألة يجعلها كالقلادة في عنقه ، أو لأنّه لتعويله في امتثال أحكام الله تعالى على قول المجتهد بجعلها كالقلادة في عنق ذلك المجتهد ، فلو قلت : قلّدت المجتهد مريداً به المعنى اللغوي أمكن كون تقديره : جعلت فتاويه قلادة على عنقي ، أو جعلت أحكامي قلادةً على عنقه .
ثمّ الظاهر أنّ تعديته إلى مفعولين - كما ظهر في الأمثلة المذكورة - ليست لمجرّد التضعيف ونقل مجرّده إلى باب التفعيل كما قد يتوهّم ، لعدم كون مجرّده من المعاني الحدثيّة فضلا عن تعدّيه بنفسه إلى مفعول واحد ، بل لضرب من التضمين على حدّ الأفعال الغير المتعدّية بأنفسها إلى مفعولين الّتي يضمّن في مفاهيمها معنى ما يتعدّى من الأفعال إليهما كالجعل والإعطاء وما يقرب منهما ، وقد يجعل من هذا الباب البيع والإجارة والهبة والرهن وغيره حيث تقع متعدّية إلى مفعولين مع عدم اقتضاء شيء منها بحسب وضعه ومفهومه اللغوي التعدّي إليهما ، وليس هذا إلاّ من جهة تضمين معنى الإعطاء في مفاهيمها .
فحاصل معنى « بعتك داري أو آجرتك إيّاها أو وهبتها أو رهنتك إيّاها » : أعطيتك داري على وجه البيعيّة أو الإجارة أو على جهة الهبة أو الرهن ، فمفاهيم هذه الأفعال بأنفسها وجوه وجهات للإعطاء ، فإنّ إعطاء شيء شيئاً له وجوه وجهات فقد يتحقّق على وجه البيعيّة ، وقد يحصل على جهة الإجارة ، وقد يتأتّى بعنوان الهبة وهكذا .
ولو قلت : « أعطيته جبّة » كان مدلوله الإعطاء المطلق من دون تنبيه على وجهه وعنوانه .
ولعلّ من جملة وجوهه كون المعطى الّذي هو المفعول الثاني قلادة على عنق المعطى له الّذي هو المفعول الأوّل ، ويعبّر عنه بهذا الوجه والعنوان بالتقليد . فمعنى « قلّده القضاء » أعطاه القضاء على وجه يكون قلادةً في عنقه لازماً على رقبته ، وكذا معنى قوله ( عليه السلام ) : « قلّد الخلافة عليّاً » ، وحيث إنّ الإعطاء يرد في الاستعمالات تارةً بحذف مفعوله الأوّل واُخرى بحذف مفعوله الثاني وثالثة بذكر مفعوليه فكذا ما تضمّنه ، « فقلّده القضاء » من باب ذكر المفعولين « وقلّدت البعير » من باب حذف المفعول الثاني ، و « قلّدت السيف » من باب حذف