تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 517

مساهمون:

ص٥١٧
وقضيّة ذلك انحصار طريق أخذ الأحكام في الشرع ، وهذا ينفي طريقيّة حكم العقل . والجواب : أنّ هذه الرواية بقرينة صدرها وردت في ردّ المخالفين حيث لم يعرفوا وليّ الله بل أنكروا ولايته ولم يوالوه ، ولم يرجعوا إليه في أخذ أعمالهم وأحكامهم ، بل رجعوا إلى الطرق الفاسدة الغير المشروعة من الرأي والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وغيرها ، من غير نظر فيها إلى ما يستقلّ فيه العقل ، وأنّ الحكم العقلي هل يلازم الحكم الشرعي أم لا ؟ وأنّ الوجوب والحرمة العقليّين هل يلازمان الإيجاب والتحريم الشرعيّين أم لا ؟ فليس فيها ما يدلّ على نفي الملازمة . ومع الغضّ عن ذلك نقول : إنّ مفاد الرواية اشتراط تحقّق الإيمان وصحّة الأعمال بمعرفة الإمام وموالاته ، فلا إيمان لمن فقدهما ، كما لا صحّة لأعماله كالمخالفين ، ولا ينافي ذلك ثبوت الأحكام الشرعيّة بالقياس إليهم وتوجّه الخطاب إليهم ، لما تقرّر في محلّه من أنّهم كالكفّار مكلّفون بفروع الشرع ومخاطبون بهما ، إلاّ أنّ أعمالهم لا تقع صحيحة لانتفاء ما هو من شروط الصحّة ، ولا يفترق الحال في ذلك بين كون الأحكام والأعمال ثابتة بخطاب الشرع كما في غير المستقلاّت العقليّة أو بحكم العقل كما في مستقلاّته ، حتّى أنّه لا يجديهم إحسانهم ولا صدقهم ولا عدلهم ولا أمانتهم ولا ردّهم الوديعة مع ثبوت أحكام هذه العناوين على القول بالملازمة بالقياس إليهم أيضاً . وأمّا قوله ( عليه السلام ) : « ويكون جميع أعماله بدلالته إليه » فهو حصر لطريقيّة أخذ الأعمال في دلالة الإمام من باب قصر القلب ، قبالا للطرق الفاسدة المتداولة عند المخالفين بنفي الطريقيّة عنها وإثباتها ، له فتكون الأعمال المذكورة في الرواية مختصّة بالأعمال الّتى يأخذ فيها المخالفون بتلك الطرق الفاسدة وليست إلاّ العبادات التوقيفيّة وغيرها ممّا لا يستقلّ فيه العقل ، كما يشعر به أيضاً سبق ذكر الصلاة والزكاة والصيام والحجّ الّتي هي من هذا القبيل ، وهذا لا ينافي طريقيّة حكم العقل في مستقلاّته ، بل انحصار الطريق في غير المستقلاّت في الشرع هو الّذي يقول به أهل القول بالملازمة أيضاً . وخامسها : أنّ أصحابنا والمعتزلة قالوا : « إنّ التكليف فيما يستقلّ به العقل لطف » يعني أنّ انضمام التكليف الشرعي بالتكليف العقلي - بمعنى تواردهما معاً - لطف ، كما أنّ مطلق التكليف السمعي لطف فيما لا يستقلّ به العقل ، والعقاب بدون اللطف قبيح ، فلا يجوز العقاب على ما لم يرد فيه من الشرع نصّ لعدم اللطف فيه حينئذ .