تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
أمارة متعبّد بها شرعاً - فالأمارة ليست طرفاً مقابلا له ، فالأمر بالنسبة إليها يدور بين وجوب العمل بها عيناً أو تحريم العمل بها عيناً ، وهذا من مسألة دوران الأمر بين المحذورين وهو الوجوب والتحريم ، ولا ينافي ذلك ما تقدّم منّا في الجواب عن أصالة الإباحة ، لكون بناء الكلام ثمّة على المماشاة مع الخصم وإلاّ فاحتمال التخيير من أصله فاسد . ولو قيل : بأنّ الأصل مع فرض الدوران بين المحذورين هو التخيير كما هو أحد القولين ، ففيه : - مع إمكان ترجيح التحريم ترجيحاً لجانب الحرمة ، لأنّ فيها دفعاً للمفسدة - أنّ تحريم العمل في مثل ما نحن فيه يكفي فيه عدم ثبوت وجوب العمل بالدليل ، فإنّ الأمر دائر بين العمل بما ثبت مشروعيّته وهو الأصل ، والعمل بما لم يثبت مشروعيّته وهو الأمارة . ولا ريب أنّ عدم ثبوت المشروعيّة كاف في ثبوت التحريم ، لما تقدّم من تطابق العقل والنقل حينئذ على المنع من العمل حينئذ . وبالتأمّل في ذلك ينقدح وجه آخر في منع التخيير في العمل بين الأصل والأمارة ، لو اُريد بجواز العمل بالظنّ جوازه على وجه التخيير ، لأنّ التخيير بين المشروع وغير المشروع غير معقول . ثمّ أصالة حرمة العمل بالظنّ - مع ابتنائها على بقاء التكاليف في الاُصول والفروع - مبتنية على ثبوت إحدى المقدّمات الثلاث على وجه الانفصال الحقيقي ، وهي إمّا وجود طرق علميّة يرجع إليها المكلّف ، أو كون حجّيّة الاُصول - لفظيّة وعمليّة - على وجه السببيّة والتعبّد - على معنى لزوم العمل بها مطلقاً حتّى مع الظنّ الغير المعتبر بخلافها - أو كون دفع الضرر الاُخروي الموهوم واجباً ليبنى المكلّف بعد الانصراف عن الأمارة - من جهة حرمة العمل بها في امتثال التكاليف المعلومة بالإجمال - على أحدها ، لئلاّ يلزم على تقدير انتفاء الجميع مع المنع من العمل بالظنّ من بقاء التكاليف المعلومة إجمالا التكليف بالمحال ، لاستحالة امتثالها على التقادير المذكورة . ومن المقدّمات المذكورة وإن كان أوّلها في الفروع منتفية إلاّ أنّ الثانية منها غير منتفية ، لكون حجّيّة الاُصول عندنا - على ما حقّقناه في محلّه من باب التعبّد مطلقاً - غير مقيّد بعدم الظنّ الغير المعتبر بالخلاف ، ولو فرض انتفائها أيضاً فلا يمكن الاسترابة في ثبوت الثالثة ، لوجوب دفع الضرر الموهوم كالضرر المظنون إذا كان اُخرويّاً بحكم القوّة العاقلة وبناء العقلاء ، لأنّ مقتضى الفرض عدم حجّيّة أصل البراءة مع قيام الأمارة الظنّيّة بخلافها