شرح
فما في كلام بعض الأفاضل من احتمال كون مرجع الأقوال إلى شيء واحد فيعود الخلاف بينها لفظيّاً ليس على ما ينبغي ، كيف وأنّ استدلال القائلين بتعلّق الوجوب بالبعض على إبطال مذهب المشهور بأنّ الواجب الكفائي يسقط بفعل البعض فلو كان واجباً على الجميع لما كان كذلك ، لأنّ ما وجب على المكلّف يستبعد أن يسقط عنه بفعل غيره ، مع ما أجاب به عنه ابن الحاجب وغيره من أنّ ما ذكرتم استبعاد وهو لا يقتضي الامتناع ممّا ينادي بالمغايرة بينهما بحسب المعنى .
ثمّ إنّ الحقّ في المسألة ما عليه المشهور من وجوبه على الكلّ وسقوطه بفعل البعض إذا كان على قدر الكفاية .
وقبل الخوض في الاستدلال ينبغي التنبيه على دقيقة يترتّب عليها فوائد مهمّة .
وهي : إنّا وإن وافقنا المشهور في أصل المذهب غير أنّه خالفناهم فيما يفرّق به بين العيني والكفائي ، فإنّهم جعلوا ملاك الفرق بينهما بسقوط الفرض بفعل البعض وعدمه ، ونحن جعلناه بإضافة مصلحة الواجب إلى المكلّف نفسه وعودها إليه على جهة الاختصاص وإضافتها إلى ما يتساوى نسبته إلى الجميع على الوجه الّذي قرّرناه .
والفرق بين الطريقين : أنّ الأوّل يقضي بكون ما يقابل الكفائي من العيني هو العيني التعبّدي خاصّة الّذي لا يسقط بفعل غير المكلّف .
والثاني يقضي بكونه أعمّ من العيني التعبّدي والعيني التوصّلي ، وبذلك ينقدح فساد الطريق الأوّل ، فإنّ سقوط الفرض عن المكلّف بغير فعله ليس من خصائص الكفائي بما هو كفائي لاشتراك العيني التوصّلي معه في ذلك ، ولذا أشرنا في ذيل تحديد الكفائي - بما تقدّم - إلى أنّ كلّ كفائيّ توصّليّ من هذه الجهة .
وقضيّة عدم الفرق بين التوصّلي والكفائي من تلك الجهة كون الأصل في الواجب [ عدم ] ( 1 ) كونه توصّلياً كما أنّ الأصل فيه كونه عينيّاً ، فإنّ مخالفة الكفائي للأصل إنّما هي لأجل تلك الجهة وهي مشتركة بينه وبين التوصّلي من العيني ، فيكون التوصّلي من العيني أيضاً على خلاف الأصل بالتقريب الّذي قرّرناه طابق النعل بالنعل ، فحينئذ يشكل الحال من جهة منافاة ذلك الأصل لما قرّرناه - في مباحث الجزء الثاني من الكتاب - من أنّ( 1 ) زيادة يقتضيها السياق .