وأجاب عنه اُولئك : بأنّه إنّما يقتضي دلالته على الفساد ، وأمّا أنّ تلك الدلالة بحسب اللّغة ، فلا . بل الظاهر أنّ استدلالهم به على الفساد إنّما هو لفهمهم دلالته عليه شرعاً ; لما ذكر من الدليل على عدم دلالته لغة .
والحقّ ما قدّمناه : من عدم الحجّيّة في ذلك . وهم وإن أصابوا في القول بدلالته في العبادات لغة ، لكنّهم مخطئون في هذا الدليل . والتحقيق ما استدللنا به سابقاً .
الوجه الثاني لهم : أنّ الأمر يقتضي الصحّة ، لما هو الحقّ من دلالته على الأجزاءِ بكلا تفسيريه ، والنهي نقيضه ، والنقيضان مقتضاهما نقيضان . فيكون النهي مقتضياً لنقيض الصحّة ، وهو الفساد .
شرح
كلّها دون الصحّة بالمعنى المبحوث عنه في مسألتنا هذه وهي موافقة الأمر بالعبادة ، فإنّ الصحّة بهذا المعنى أخصّ منها بالمعنى الأوّل كما أنّ الفساد المقابل للصحّة بالمعنى الأوّل أخصّ منه بالمعنى المقابل للصحّة بالمعنى الثاني ، فقد يكون الشيء صحيحاً بالمعنى الأوّل وفاسداً بالمعنى الثاني لانتفاء الأمر كما في صلاة المجنون مثلا لو فرض صدورها منه جامعة لأجزائها وشرائطها الواقعيّة ، فلا منافاة بين الصحّة بالمعنى الأوّل والفساد بالمعنى الثاني ، كما أنّه لا ملازمة بين الفساد بالمعنى الثاني والفساد بالمعنى الأوّل .
فالتفريع المذكور لا يقتضي إلاّ الصحّة بالمعنى الأوّل وهو لا ينافي الفساد بالمعنى الثاني الّذي ينشأ من النهي باعتبار استلزامه لانتفاء الأمر عن المورد ، والمبحوث عنه هنا إنّما هو الفساد بهذا المعنى لا غير هذا .
ولكنّ التفريع المذكور من مقتضى الاحتجاج الآتي لو كان من أبي حنيفة وصاحبيه ، وإن كان لابدّ وأن يقيّد مع ذلك بمقدّمة اُخرى وهي القول بجواز اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد مشتمل على جهتين :
إحداهما : راجعة إلى الماهيّة .
والاُخرى : إلى الخصوصيّة .
وكيف كان فحكي الاحتجاج عليه بوجهين :
أحدهما : أنّه لو لم يدلّ النهي على صحّة المنهيّ عنه شرعاً لكان المنهيّ عنه غير شرعي