شرح
وعلى هذا فيسهل الخطب في مثل ما لو قيل : « سر من البصرة إلى الكوفة ، ومنها إلى الحلّة ومنها إلى بغداد » وما لو قيل : « سرت من البصرة إلى الكوفة » إلى آخر المثال ، لأنّ الأوّل يحمل على تكاليف عديدة والثاني على إخبارات عديدة من دون أن يلزم مخالفة ظاهر ولا خلاف أصل من تجوّز أو تقييد ، بخلافه على القول بكونها قيداً لنوع الحكم كما رجّحه بعض مشايخنا .
فإنّه حينئذ يقع التعارض بين الخطابين لا محالة ، فيجب المراجعة حينئذ إلى المرجّحات الداخليّة أوّلا ثمّ الخارجيّة كما هو الشأن في غير المقام من موارد التعارض بين الدليلين .
وقد يرجّح الدليل الثاني هنا بجعل الغاية في الأوّل قيداً للموضوع ارتكاباً لخلاف الظاهر فيه دون الثاني تعليلا بأنّه أولى من العكس ، والظاهر أنّها لكون الثاني في متفاهم العرف حاكماً على الأوّل من باب حكومة النصّ على الظاهر ، أو حكومة الأظهر على الظاهر .
فعلى المختار وعلى القول الآخر بعد الجمع المذكور لا يحتاج في نحو المثال الأوّل ما دام الحمل على تعدّد التكليف الموجب لتعدّد المكلّف به ممكناً إلى تصرّفات اُخر ، من حمل الأمر فيه على الطلب الغيري فيما بين أجزاء المكلّف به اللازم للوجوب النفسي بالقياس إلى نفس المكلّف به ، أو ارتكاب التجوّز في الغاية ، أو كلمة « حتّى » و « إلى » بحملها على معنى « مع » المفيدة للمشاركة ، وإلاّ كما في موضع القرينة على وحدة التكليف والمكلّف به فلابدّ من الالتزام بأحد الوجوه الثلاث .
وأمّا تعيين بعض هذه الوجوه فيحتاج إلى قرينة اُخرى من أقربيّة عرفيّة وغيرها .
وبجميع ما بيّنّاه ينقدح ما في كلام بعض الأعاظم موافقاً لما سمعت من المصنّف من قوله : « مفهوم الغاية أقوى من مفهوم الشرط ، والشرط أقوى من مفهوم الوصف عند من يقول بحجّيّته ، نظراً إلى ندرة استعمال أدواتها في غير ما يفيد المفهوم بخلاف الشرط والوصف .
ولذا قال بحجّيّة الأوّل كلّ من قال بحجّيتهما وبعض من لم يقل بهما ومثل ذلك يأتي بين الشرط والوصف .
ويظهر الثمرة في الجميع في التعارض بتقديم الأقوى على الأضعف » ( 1 ) فإنّه ممّا لا يرجع إلى محصّل ، بناءً على ما بيّنّاه من أنّ الأكثر إنّما يقولون في الغاية بالدلالة على نفي الحكم المذكور وهذه الدلالة يشاركها فيها الشرط والوصف أيضاً ، بل لا قائل فيهما بجواز( 1 ) إشارات الاُصول : 243 .