شرح
فإن قيل : لا نسلّم التنافي بين تعيين الواجب من الثلاث وبين التخيير فيه ، لجواز كون محلّ التعيين غير محل التخيير ، بأن يكون الواجب واحداً معيّناً والمكلّف مختار بين كلّ واحد ولكن يختار المكلّف المعيّن فيكون الواجب معيّناً واختاره المكلّف منها ، أو بأن
يكون المكلّف مخيّراً بين كلّ واحد وإن اختار واحداً منها عيّنه الله تعالى ذلك الواحد المختار لأجله ، أو بأن يكون الواجب واحداً معيّناً ولكن يسقط ذلك الواجب بغيره إذا كان بدلا له ، فيكون المكلّف مخيّراً بين الواجب أمراً معيّناً وبدله » . إنتهى .
ولكن يضعّفه : أنّ هذا الوجه خلاف ما يساعده أدلّة هذا القول الآتية ، وخصوص ما ذكر في الاحتجاج على هذا القول - على ما في بيان المختصر في توجيه الحجّة الّتي قرّرها الحاجبي - من أنّه : « علم الله تعالى ما يفعل المكلّف من الخصال الثلاث فيكون متعيّناً في علم الله تعالى ، والوجوب تعلّق به فيكون الواجب معيّناً وهو ما يفعله المكلّف » إلى آخره .
ولذا قال بعض المحقّقين في توجيهه - عند شرح العبارة - : « بأنّ المراد أنّ الواجب معيّن عنده تعالى سواء فعل المكلّف أم لا ، ولكن إختيار المكلّف وفعله على تقدير الامتثال يكون موافقاً لما أوجبه الله عليه ، فيختلف الواجب بالنسبة إلى المكلّفين ، ولو لم يفعل المكلّف ولم يمتثل بقي ذلك المعيّن في ذمّته .
وقد يوهم بعض عبارات القوم أنّ الواجب معيّن عند الله تعالى وهو ما يفعله المكلّف ، بمعنى : أنّ تعيينه عنده تعالى بكونه ما يفعله المكلّف .
ويرد عليه : أنّه لو لم يفعل المكلّف شيئاً منها يلزم أن لا يكون شيء واجباً معيّناً عنده تعالى » إلى آخره .
ولا يذهب عليك أنّ ما نقله ذلك المحقّق معنى آخر في توجيه هذا القول غير ما ذكرناه ونقلناه عن عبارة شارح المنهاج ، فإنّ ذلك مبنيّ على جعل اختيار المكلّف من شرائط حدوث التكليف حين حصول الاختيار بخلاف المعنى المذكور ، لابتنائه على جعل الوجوب تابعاً لعلمه تعالى باختيار المكلّف وهو سابق على الاختيار ، فيكون الوجوب التابع له سابقاً عليه .
وربّما يستفاد عن بعض العبائر معنى آخر لكون الواجب معيّناً عند الله ، وهو عدم مدخليّة اختيار المكلّف في إيجابه تعالى لا بعنوان الشرطيّة ولا بعنوان المتبوعيّة بالقياس إلى علمه تعالى ، بل هو معيّن عنده تعالى على حسبما اقتضته إرادته الحتميّة وهو أوفق بما نقلوه من أدلّة هذا القول كما ستعرفه ، غير أنّه لا يساعده أكثر العبائر ، وهو حينئذ بالنظر