شرح
تحقيق معنى التخيير على مذهب الأشاعرة من جهة أنّ الكلّي لا تعدّد فيه ولا تخيير فيه وإلاّ لزم التخيير بين فعل الواجب وعدمه » ثمّ تصدّى بدفعه فقال : « ويندفع بأنّ المراد المخيّر في أفراده فالوصف بحال المتعلّق » وكأنّه مأخوذ عمّا أشرنا إليه عن بيان المختصر من الوجهين في توجيه كلام الحاجبي وقد عرفت فساده .
ثمّ أورد على نفسه إشكالا آخر ، بناءاً على ما ذكره في دفع الإشكال الأوّل بقوله : « ويشكل هذا بالواجبات العينيّة ، فإنّها أيضاً كليّات مخيّر في أفرادها » .
فتعرض لدفعه بقوله : « ويمكن دفعه : بأنّ الكلّي في المخيّر جعليّ عقليّ منتزع من الأفراد تابع لها في الوجود كأحد الأبدال بخلافه في العينيّات ، فإنّه متأصّل وعلّة للأفراد وسابق عليها طبعاً ، وقد يجتمع الاعتباران كالكفّارة بالنسبة إلى الخصال ، فالخطاب بالكفّارة عينيّ يستتبع التخيير في أفرادها ، والخطاب بأحد الخصال تخييريّ » .
وهو غير سديد لأنّ العمدة في المقام الفرق بين الواجبين باعتبار تعلّق وصف الوجوب بهما على حسبما اعتبره الشارع وجعله لا باعتبار المتعلّق ، وما ذكره من الفرق مع كونه إعتباريّاً فرق بينهما باعتبار المتعلّق وهو لا يقضي بالفرق بينهما باعتبار الوصف المتعلّق ، على أنّ مثل ذلك الفرق إن كان مجدياً وإن كان ولابدّ لكان الأولي أن يفرّق بكون الأفراد في المخيّر مختلفات في الحقيقة لكونها طبائع متبائنة ، وفي المعيّن متّفقات في الحقيقة لكونها جزئيّات لطبيعة واحدة .
وقد يضاف إلى ما ذكر وجهان آخران :
أحدهما : أنّ الأفراد في الواجبات العينيّة متّفقة في الحقيقة وفي التخييريّة مختلفة .
وأورد عليه : التخيير في الصلاة بين القصر والإتمام والتخيير في التسبيحات بين واحدة وثلاث ، لاتّحادهما في الحقيقة في الجميع .
وردّ : بأنّ المراد بالحقيقة ما تعلّق بها الخطاب الشرعي عيناً أو تخييراً ، وهي قد تكون جنسيّة وقد تكون نوعيّة وقد تكون صنفيّة ، فقوله تعالى ( أقيموا الصلاة ) ينحلّ باعتبار الأصناف إلى خطابات عديدة ، خطاب إلى الحاضر وخطاب إلى المسافر وخطاب إلى الصحيح وخطاب إلى المريض وهكذا ، ولا ريب أنّ الصلاة إذا اُضيفت إلى هذه المذكورات تختلف ماهيّتها ولو بحسب الصنف ، فكلّ من القصر والإتمام ماهيّة على حدّة بخلاف أفراد كلّ من القصر والإتمام فإنّها اُمور متّفقة في الحقيقة ، فكذلك التسبيحة الواحدة إذا