شرح
فقال : أعط عياله من الزكاة قدر ما يجهّزونه فيكونون هم الذين يجهّزونه ، قلت : فإن لم يكن
له ولد ولا أحد يقوم بأمره فاُجهّزه أنا من الزكاة ؟ قال : كان أبي يقول : حرمة بدن المؤمن ميّتاً كحرمته حيّاً ، فوار بدنه وعورته وجهّزه وكفّنه وحنّطه واحتسب بذلك من الزكاة ، وشيّع جنازته » إلى آخره ( 1 ) .
وجه الدلالة : أنّه سأل عن جواز صرف الكفن عن الزكاة في رجل مات ولم يترك ما يكفّن به ، فهو شاهد بأنّ عدم وجوبه على المسلمين كان مفروغاً عنه عنده وإلاّ لكان الأولى أن يسأل عنه على تقدير جهله به ، أو كان المتعيّن عدم السؤال أصلا على تقدير كون المحقّق عنده وجوبه عليهم ، مع أنّ الإمام لم يبيّن له أنّ ذلك محلّ الوجوب على المسلمين وهو منصوب لتبليغ الأحكام ، فلولا عدم الوجوب كان عدوله عن بيان ذلك منافياً لمنصبه ، ولا سيّما كون السؤال واقعاً في محلّ الحاجة ، ولا ريب أنّ عدم وجوبه على المسلمين لا يلائم إطلاق وجوب الكفن المتعلّق بهم ، فلابدّ وأن يكون مشروطاً إذ لا ثالث لهما وهو المطلوب ، فحينئذ لو كان في المقام أوامر مطلقة قاضية بوجوب التكفين على الإطلاق المستلزم لوجوب جميع مقدّماته الّتي منها بذل الكفن يقيّدها تلك الرواية لمكان كونها مقيّدة كما عرفت ، مضافة إلى الإجماع المتقدّم ، كيف ووجوب الإطلاق القاضي بوجوب تحصيل الكفن له في حيّز المنع كما أنكره الشيخ الاُستاذ - في شرحه للإرشاد - دام ظلّه ( 2 ) .
وممّا يشهد بذلك أيضاً قيام الإجماع وورود النصوص بأنّ كفن الميّت وسائر جهاته يخرج من ماله لو كان له مال ، وأنّ كفن الزوجة على الزوج متعيّناً ، وكفن المملوك على سيّده كذلك ، فلو كان أوامر التكفين المتعلّقة بجميع المكلّفين كفاية مطلقة غير مشروطة بما ذكرنا لكانت قاضية بوجوب الكفن عليهم أيضاً كفايةً ، كسائر مقدّماته الغير المنوطة بصرف المؤونة ، ولم يكن لوجوبه العيني على الزوج والسيّد وجه ، والتالي باطل ، فيكون ذلك كاشفاً عن أنّ ا لمراد من تلك المطلقات وجوب تكفينه في كفن مبذول له من ماله أو من زوجه أو من سيّده أو من متبرّع كما تنبّه عليه الشيخ الاُستاذ دام ظلّه .
فإن قلت : لِمَ لا يجوز اعتبار الترتيب هنا بكون الوجوب ثابتاً على الزوج والسيّد أوّلا عيناً ثمّ مع فقدهما على المسلمين كفايةً ؟( 1 ) التهذيب 1 : 445 .
( 2 ) وهو الشيخ الأعظم الأنصاري ، في كتاب الطهارة .