شرح
ذكرها معها أداءً لحقّ الحكمة بتمامه ، وسدّاً لما عساه يتخيّله المحكىّ لهم - وهم المخاطبون
بتلك الآية - من احتمال عدم إفادتها الوجوب لمن توجّهت إليهم من المكلّفين بالركوع ،
حيث وردت عليهم مجرّدة عمّا يفيده من القرائن ، فيقبح الذمّ المتوجّه إليهم حينئذ ( 1 ) .
نعم ربّما يشكل الاستدلال على جميع تقادير الجواب عمّا أشرنا إليه من السؤال من
جهة أُخرى ، وهي أنّ دلالة الآية على المطلوب مبنيّة على كون المذمومين غير الكفّار ، أو
كون الكفّار مكلّفين بالفروع ، والأوّل غير منساق من الآية بل المنساق خلافه كما لا يخفى
على من لاحظ الآيات السابقة عليها ، كما أنّ الثاني ممّا يأباه القوّة العاقلة لامتناع التكليف
بغير المقدور ، نظراً إلى امتناع الفروع
عنهم صحيحة في حال الكفر ، واستحالة الفعل السفهي عليه تعالى نظراً إلى علمه تعالى بعدم
إتيانهم بها ، وكون الكفر في أوّل المحذورين ظرفاً للتكليف لا شرطاً للمكلّف غير مجد في
ارتفاع المحذور ، لكون الامتناع في تلك الحال .
ودعوى كونه امتناعاً بالاختيار وهو لا ينافي الاختيار واضح المنع عندنا ، لمكان
المنافاة خطاباً وعقاباً بحكم العقل وبناء العقلاء .
نعم لا نضائق العقاب على تفويت الاختيار وتسديد باب التكليف وتوجّه الخطاب .
والقول بأنّ ذلك مسلّم مع سلب الاختيار كما في امتناع الوضوء ممّن قطع يديه
باختياره وأمّا بدونه فلا ، كما في امتناع حصول مشروط بالطهارة من الجنب في الجنابة ،
فكما أنّه مكلّف به في هذه الحالة لقدرته على إزالة المانع وهو الجنابة فكذلك الكافر لقدرته
على إزالة المانع وهو الكفر فلا امتناع كما لا امتناع ، واقع في غير محلّه ، فإنّ المدّعى مسلّم
كتسليم الحكم في المقيس عليه ، ولكنّ الحكم في المقيس غير مسلّم ، لمكان الفرق بينهما في
دخول الأوّل في جملة أفراد موضوع المدّعى دون الثاني ، ضرورة سلب قدرتهم على إزالة
الكفر بتقرّر أسبابه ومقتضياته الموجبة لعلمه تعالى بعدم صدور الإيمان منهم فيستحيل بعده
لاستحالة انقلابه جهلا .
وليس في قوله تعالى : ( ما سلككم في سقر ) ( 2 ) ( قالوا لم نك من
المصلّين ) ( 3 ) ( ولم نك
هامش
( 1 ) فلابدّ من ذكر القرينة معها في الآية ليفيدهم أنّها حين توجّهها إلى المذمومين كانت مقرونة بتلك
القرينة لينقطع به جميع طرق الاعتذار والتشبّث بما يأخذونه من الأعذار . ( منه عفي عنه ) .
( 2 ) المدثر : 42 .
( 3 ) المدثر : 43 .