والويل بواسطة التكذيب ، فانّ الكفّار عندنا معاقبون على الفروع كعقابهم على
الأصول ; وإن كانوا غيرهم لم يكن اثبات الويل لقوم بسبب تكذيبهم منافياً
لذمّ قوم بتركهم ما أمروا به .
وعن الثاني : بأنّه تعالى رتّب الذمّ على مجرّد مخالفة الأمر * ، فدلّ على أنّ
الاعتبار به ، لا بالقرينة .
شرح
ومن البيّن أنّ الاحتمالات البعيدة لا ينافي الظهور ، وأنت خبير بأنّ قضيّة الظهور إن
تمّت لقضت باندفاع ما أوردناه من الإشكال بحذافيره ، فعلى الناظر في الآية استقصاء النظر
في ذلك ليتّضح عليه حقيقة الحال وينجلي له حجاب ذلك المقال بعون الله المتعال وحسن
توفيقه .
* ووجه ذلك : ظهور أنّ " الأمر " في إفادته الوجوب لو كان منضّماً إليه غيره لكان عليه
تعالى ذكره معه في الآية ليتأتّى به المقصود ، ويحصل كمال المطلوب من كون ذلك الذمّ
لاستحقاقهم إيّاه بالمخالفة ، فيكون عدمه دليلا على عدمه ومعه يتمّ الإستدلال .
ويمكن الاستدلال بوجوه أُخر .
أوّلها : أنّ تارك المأمور به عاص ، وكلّ عاص متوعّد بالعذاب .
أمّا الصغرى : فلشهادة ( 1 ) العرف مضافة إلى قوله : " أمرتك أمراً جازماً فعصيتني " وقوله
تعالى : ( أفعصيت أمري ) ( 2 ) ( ولا أعصي لك أمراً ) ( 3 ) ( ولا يعصون الله ما أمرهم ) ( 4 ) وأمّا
الكبرى : فلقوله عزّ من قائل : ( ومن يعص الله ورسوله فإنّ له نار جهنّم ) ( 5 ) بتقريب : أنّ
الموصول مفيد للعموم إمّا لقضيّة الوضع أو لتضمّنه معنى الشرط ، والعذاب ملازم لترك
الواجب .
ويرد عليه أوّلا : منع الصغرى بأنّ العصيان ضدّ الطاعة ، وهي على ما يساعده العرف إمّا
فعل المأمور به أو فعل المندوب ، فالعصيان أيضاً بقرينة المقابلة إمّا ترك المأمور به أو ترك
المندوب ، وقضيّة ذلك وجوب تقييد الكبرى بما يوجب خروج ترك المندوب ، ومعه يسقط
الاستدلال بالآية لعدم كون مفادها حينئذ ممّا يتنازع فيه .
هامش
( 1 ) وفي كلام القوم استناد الصغرى إلى مجرّد الآيات وإنّما أعرضنا عن تلك الطريقة لتوجّه المنع إلى كون
مطلق ترك المأمور به عصياناً ، على أنّ الآيات المذكورة في المتن لا يقضي بأزيد من الاستعمال وهو
جنس عامّ فلا يلازم الحقيقة كما لا يخفى . ( منه عفي عنه ) .
( 2 ) طه : 92 .
( 3 ) الكهف : 69 .
( 4 ) التحريم : 6 .
( 5 ) الجنّ : 23 .