ومن هنا يتّجه أن يقال بعدم اقتضاء الأمر للنهي عن الضدّ الخاصّ ، وإن قلنا
بوجوب ما لا يتمّ الواجب إلاّ به ؛ إذ كونه وجوبه للتوصّل يقتضي اختصاصه
بحالة إمكانه ، ولا ريب أنّه ، مع وجود الصارف عن الفعل الواجب وعدم
الداعي ، لا يمكن التوصّل ؛ فلا معنى لوجوب المقدّمة حينئذ . وقد علمت أنّ
وجود الصارف وعدم الداعي مستمرّان مع الأضداد الخاصّة .
شرح
كحفظ بيضة الإسلام ودفاع المعاندين عن ربقة المسلمين إذا توقّف على ركوب دوابّ
أو استعمال آلات مغصوبة غير محلّلة ، وهو كما ترى غير مطّرد في جميع جزئيّات المبحث ،
وفيما يتّفق ذلك أيضاً لا يبقى فيه حرمة وطلب فعلي للترك ، بل هو واجب صرف ومطلوب
فعله ولا يبقى فيه مبغوضيّة لطروّ الجهة المحبوبيّة بالعرض .
نعم فيه منقصة ذاتيّة مقهورة في جنب المزيّة الحاصلة فيه لعارض ولا تأثير لها حينئذ
في إفادة المرجوحيّة أو المبغوضيّة أو الإلزام بتركه .
فإن أُريد باجتماع الوجوب التوصّلي مع الحرمة ما يكون من هذا القبيل ، فهو - مع أنّه
غير سار في جميع أفراد المسألة فلا يلائم إطلاق القول بالجواز - ليس من الاجتماع في
شيء .
وإن أُريد به كون ما هو مبغوض ومطلوب تركه فعلا محبوباً ومطلوباً فعله فعلا ، فهو غير
معقول ، كيف وأنّ الطلب الفعلي مع قطع النظر عن عدم تعلّقه بالمبغوض أبداً لا يقصد به إلاّ
الامتثال ، سواء تعلّق بإيجاد شيء أو تركه في غير موضع الابتلاء والامتحان وإلاّ كان سفهاً
منافياً للحكمة ، والشيء إذا تعلّق بإيجاده وتركه طلبان فعليّان فإن قصد بهما معاً الامتثال
بمتعلّقهما لزم التكليف بالمحال ، وإن قصد بأحدهما الامتثال خاصّة أو لم يقصد الامتثال
بشيء منهما لزم السفه ، وتعدّد الجهة على ما اكتفى به بعضهم في تجويز الاجتماع لا يجدي
إلاّ إذا كانت الجهة بنفسها موضوعاً للحكم ومورداً للحسن والقبح ، لا منشأ للحكم وعلّة
للحسن والقبح كما في ضرب اليتيم للتأديب والتعذيب ، فإنّ موضوع الحكمين في الحقيقة
هو التأديب والتعذيب ضرورة أنّ تأديبه حسن ذاتاً وتعذيبه قبيح أصلا ، غايته أنّ الضرب قد
يرد في موضع التأديب فيكون حسناً مأموراً به ، وقد يرد في محلّ التعذيب فيكون قبيحاً
منهيّاً عنه فالتأديب والتعذيب جهتان داخلتان في موضوعي الحكمين ، فها هنا حكمان
فعليّان لموضوعين ممتازين ، وكون الضرب محلاّ لهذين