لأنّا نقول : المفروض فيما ذكرناه انتفاء القرائن ، فليقدّر كذلك ، لو كانت
في الواقع موجودة . فالوجدان يشهد ببقاء الذمّ حينئذ عرفاً . وبضميمة
أصالة عدم النقل إلى ذلك يتمّ المطلوب * .
شرح
قاعدة قرّرناها في الجزء الأوّل من الكتاب - في بحث الاستعمال من الأمارات - وهي الحكم بكون اللفظ
حقيقة فيما غلب استعماله فيه من أحد المعنيين فصاعداً ممّا علم باستعمال اللفظ فيهما مع
العلم بقدر جامع بينهما استعمل فيه اللفظ أيضاً أو لا .
فبجميع ما قرّرناه أيضاً ينقدح الجواب عمّا عساه يورد من احتمال استناد التبادر إلى
قرينة العلوّ في خصوص المثال ، بل عدّه بعضهم من الاعتراضات ، فإنّا ندّعي التبادر في
الأعمّ ممّا صدر عن العالي ، ومعه لا وقع لهذا الاحتمال .
* والغرض من هذه المقدّمة دفع ما لعلّه يورد على الدليل من أنّ قصارى ما يلزم من هذا
الدليل إنّما هو كون الصيغة في العرف حقيقة في الوجوب ، لما قرّر في محلّه من اشتراط كون
التبادر في اصطلاح التخاطب في إثبات الوضع به ، مع أنّ الغرض الأصلي في محلّ الخلاف
إثبات ما وضع له الصيغة بحسب اللغة ليفيد في أوامر الكتاب والسنّة .
ومحصّل ما يدفعه : أنّ ذلك يثبت بأصالة عدم النقل الّتي لا يزال الناظر في الأمارات
المبنيّة على القواعد العربيّة لإثبات المطالب اللغويّة محتاجاً إليها ، فإنّ الصيغة لو لم تكن في
اللغة للوجوب أيضاً للزم النقل ، للقطع بكونها عند أهل اللغة لمعنى ، والأصل عدمه .
وربّما اعترض عليه : بكونه معارضاً بأصالة تأخّر الحادث ، لكون الوضع للوجوب أمر
حادث والأصل تأخّره .
ويردّه : كون ذلك الأصل مقدّماً على معارضه لكونه بالقياس إليه من باب المزيل ،
ولاعتضاده بغلبة بقاء الألفاظ على معانيها الأصليّة الثابتة لها عن أهل اللغة إلى عرف زمن
الشارع بل إلى عرفنا هذا أيضاً كما لا يخفى ، وقيل أيضاً لاعتضاده بالشهرة بل الإجماع ، بل
بظهور عدم القائل بالفصل بين زماننا وزمان اللغة ، وبأنّ الحكم بتعدّد الوضع حكم بوجود
حادث لم يكن والحكم بتقدّم الوضع حكم بسبق موجود ، ومن الظاهر أنّ الأخير أهون من
الأوّل .
ثمّ إنّ المراد بالنقل الّذي نفاه بالأصل إنّما هو حدوث الوضع الجديد للصيغة بعد زمن
أهل اللغة غير ما كانت عليه أوّلا ، من دون فرق في ذلك بين كونه من باب التعيين أو