وقد يطلق ويراد به الترك * . وهذا يدلّ الأمر على النهي عنه بالتضمّن .
وقد كثر الخلاف في هذا الأصل ، واضطرب كلامهم في بيان محلّه من
المعاني المذكورة للضدّ ؛ فمنهم : من جعل النزاع في الضدّ العامّ بمعناه
المشهور - أعني الترك - وسكت عن الخاصّ . ومنهم : من أطلق لفظ الضدّ ولم
يبيّن المراد منه . ومنهم : من قال : إنّ النّزاع إنّما هو في الضدّ الخاصّ . وأمّا العامّ
بمعنى الترك فلا خلاف فيه ، إذ لو لم يدلّ الأمر بالشيء على النهي عنه ، لخرج
الواجب عن كونه واجباً .
شرح
وجود الأفراد ، مع أنّه قول لا يتفرّع على هذا المذهب بل يقول به أهل جميع المذاهب
حتّى القائلين بوجود الكلّي في ضمن الأفراد ، لأنّه كلّي ليس على حدّ سائر الكلّيّات كما
عرفت ، فالنهي عنه نهي عمّا هو مصداق له وهو الضدّ الخاصّ لا محالة ، والأسدّ بل الموافق
للصواب ما ذكرناه من الوجوه وإن كان مفاد الجميع فيما عدا الأخير واحد .
* وهذا هو الّذي يجعل الضدّ بناءاً على اصطلاح أهل المعقول مجازاً فيه على أحد
وجهيه ، وهو أن يراد بالترك مجرّد عدم الإتيان بالمأمور به ، واختلفت كلمتهم في اعتبار
العلاقة بينه وبين المعنى الحقيقي وهو الأمر الوجودي الّذي لا يجتمع مع المأمور به في محلٍّ
واحد ، وجملة ما ذكروه في الباب لا تزيد على ثلاثة أوجه ، المشابهة والمجاورة والكلّية
والجزئيّة .
أمّا الأوّل : فلمشابهة الترك للضدّ الوجودي في وصف المنافاة .
وأمّا الثاني : فلمجاورة ترك الشيء لفعل ضدّه الوجودي .
وأمّا الثالث : فلكون الضدّ الوجودي جزئيّاً من جزئيّات ما ينافي المأمور به أو ما لا
يجامعه على الإطلاق ، فاستعمل اللفظ الموضوع للجزئي في الكلّي مجازاً في موضع إرادة
الترك منه من باب إطلاق الكلّي على الفرد .
ولا يخفى ما في الكلّ من التعسّف الواضح ، وليت شعري بأنّهم لِمَ يعتبروا علاقة السببيّة
والمسبّبيّة مع كونها من أظهر العلائق وأقربها اعتباراً ، ولا سيّما على مذهب المشهور من
تمانع الأضداد الوجوديّة نظراً إلى أنّ كلّ ضدّ وجودي إذا كان مانعاً عن الآخر