بل قد قيل إنّ الوجوب في الحقيقة لا يتعلّق بالمسبّبات * ، لعدم تعلّق القدرة
بها . أمّا بدون الأسباب فلامتناعها ، وأمّا معها فلكونها حينئذ لازمة لا يمكن
تركها * * . فحيث ما يرد أمر متعلّق ظاهراً بمسبّب فهو بحسب الحقيقة متعلّق
بالسبب * * * ؛ فالواجب حقيقة هو ، وإن كان في الظاهر وسيلة له .
وهذا الكلامُ عندي منظورٌ فيه ؛ لأنّ المسبّبات وإن كانت القدرة لا تتعلّق بها
ابتداءً ، لكنّها تتعلّق بها بتوسّط الأسباب ، وهذا القدر كاف في جواز التكليف بها .
شرح
لأنّه الّذي يتصوّره الآمر عند إرادة الطلب دون ما يتولّد منها على ما يشهد به الوجدان
السليم والذوق المستقيم ، كما في الإحراق والقتل والعتق والطهارة ونحوها ، ولا ينافيه تعلّق
الخطاب بالمسبّبات لأنّه تعلّق ظاهريّ وارد على سبيل التجوّز من باب تسمية السبب باسم
المسبّب ، ولا أظنّ أحداً ينكر ذلك بعد كونه ممّا يحكم به الوجدان وضرورة العقل المغنية
عن إقامة البرهان ، وسيأتي لذلك في ردّ مقالة من ينزّل الأمر بالمسبّب إلى السبب مزيد
بيان .
* وهذا القول قد أشرنا إلى حكايته عن بعضهم ، وكلام الأكثر خال عن نقله وكأنّه وهم نشأ عن
ملاحظة ما ذكرناه من أدلّة القول المتقدّم من التقرير الآخر للدليل الثالث ، لما أشرنا إليه من
انطباقه على تلك المقالة ، وعلى تقدير ثبوته فيرد عليه أكثر ما سبق في جواب أدلّة القول
المتقدّم ولا حاجة إلى إعادتها هنا .
* * وقد عرفت أنّ المسبّب إذا لوحظ لا بشرط لا يخرج عن كونه مقدوراً .
غاية الأمر أنّه قدرة مع الواسطة وهي كافية في تعلّق التكليف بالضرورة لو كان من مقولة
الأفعال ، وأمّا ما كان من غيرها فعدم تعلّق التكليف به ليس من جهة عدم كفاية القدرة مع
الواسطة بل لامتناع تعلّقه بما ليس من فعل المكلّف ، مع أنّه لو تمّ لجرى في الشرط أيضاً إذا
وقع آخر أجزاء العلّة التامّة فلا وجه لدعوى اختصاص الحكم بما دون الشرط مطلقاً .
* * * وفيه : أنّه لو كان الأمر بالمسبّب أمراً بالسبب بحسب الحقيقة لامتنع الذهول عنه حين
الطلب ، والتالي باطل .