الرابع : قوله تعالى : ( وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَة مِنْ رَبّكُمْ ) فإنّ المراد بالمغفرة
سببها ، وهو فعل المأمور به * ، لا حقيقتها ، لأنّها فعل الله سبحانه ،
فيستحيل مسارعة العبد إليها * * ،
شرح
المراد ، فلا ينافي إطلاق الأمر بحسب الوضع ولا يصلح دليلا على الوضع جدّاً ،
فالمطلوب غير ثابت به وما ثبت غير مطلوب كما لا يخفى .
وبجميع ما ذكرنا يظهر الجواب عن التقرير الآخر من الاستدلال المتقدّم ذكره ، بل
عن التقرير الثالث المتقدّم ذكره عن بعض الفضلاء .
وأمّا ما عن بعضهم أيضاً من الاستدلال على وجوب الفور بأنّ ظاهر تخصيص
الزمان الأوّل بإلقاء صيغة الخطاب أنّه لا ميدان يتّسع لها وإلاّ أخّرها ، وأنّ الأزمنة
متساوية في حسن الترك فيها مع عدمه فيلزم الاهمال ، وأنّ المريد للشيء يتأكّد داعيه
ويكثر حرصه على المبادرة إليه قضاءً لحقّ الحبّ وامتثالا لأمر سلطان الهوى ، وإنّ أكثر
أفراد المطلق وأشهرها وأكملها وأظهرها إرادة المبادرة ، فلا ينبغي الالتفات إليه في شيء
من وجوهه .
* ومحصّل الاستدلال : أنّ هيئة " سارعوا " تدلّ على الوجوب ومادّته على الفور
والتعجيل ، والهيئة إذا عرضت للمادّة يكون مفاد المجموع وجوب الفور والمسارعة إلى
المغفرة ، إلاّ أنّ المغفرة لمّا كانت فعل الربّ والمسارعة من فعل العبد ولا ارتباط بينهما
فالقرينة العقليّة قائمة على عدم إرادة ظاهر الآية حذراً عن لزوم التكليف بما لا يطاق ،
فلابدّ من تأويل فيها بحمل المسارعة إلى المغفرة على المسارعة إلى سببها وهو فعل
المأمور به من باب الإضمار ، بتقدير لفظ
" السبب " مضافاً إلى المغفرة ، أو التجوّز بإطلاق المسبّب على السبب وتسمية السبب
باسم المسبّب .
وعلى كلّ تقدير يحصل من الآية كبرى كلّيّة منضمّة إلى صغرى نظريّة مستفادة ممّا
دلّ على أنّ الطاعات أسباب لزوال الذنوب كما أنّ التوبة سبب له فيقال : فعل المأمور به
سبب من أسباب المغفرة ، وكلّ سبب من أسباب المغفرة يجب المسارعة إليه ، فينتج
بأنّ فعل المأمور به يجب المسارعة إليه ، وهو المطلوب .
* * وقد يناقش في ذلك : بأنّ مجرّد كون المغفرة فعل الله لا يقضي بامتناع المسارعة
إليها ، إذ لا مانع من المسارعة إلى فعل الغير بأن يجعل نفسه مشمولا لفعله ، كما تقول :
" سارعوا إلى ضيافة السلطان وإلى إكرامه وإلى إنعامه " ونحوها .