تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
الرابع : قوله تعالى : ( وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَة مِنْ رَبّكُمْ ) فإنّ المراد بالمغفرة سببها ، وهو فعل المأمور به * ، لا حقيقتها ، لأنّها فعل الله سبحانه ، فيستحيل مسارعة العبد إليها * * ،
شرح
المراد ، فلا ينافي إطلاق الأمر بحسب الوضع ولا يصلح دليلا على الوضع جدّاً ، فالمطلوب غير ثابت به وما ثبت غير مطلوب كما لا يخفى . وبجميع ما ذكرنا يظهر الجواب عن التقرير الآخر من الاستدلال المتقدّم ذكره ، بل عن التقرير الثالث المتقدّم ذكره عن بعض الفضلاء . وأمّا ما عن بعضهم أيضاً من الاستدلال على وجوب الفور بأنّ ظاهر تخصيص الزمان الأوّل بإلقاء صيغة الخطاب أنّه لا ميدان يتّسع لها وإلاّ أخّرها ، وأنّ الأزمنة متساوية في حسن الترك فيها مع عدمه فيلزم الاهمال ، وأنّ المريد للشيء يتأكّد داعيه ويكثر حرصه على المبادرة إليه قضاءً لحقّ الحبّ وامتثالا لأمر سلطان الهوى ، وإنّ أكثر أفراد المطلق وأشهرها وأكملها وأظهرها إرادة المبادرة ، فلا ينبغي الالتفات إليه في شيء من وجوهه . * ومحصّل الاستدلال : أنّ هيئة " سارعوا " تدلّ على الوجوب ومادّته على الفور والتعجيل ، والهيئة إذا عرضت للمادّة يكون مفاد المجموع وجوب الفور والمسارعة إلى المغفرة ، إلاّ أنّ المغفرة لمّا كانت فعل الربّ والمسارعة من فعل العبد ولا ارتباط بينهما فالقرينة العقليّة قائمة على عدم إرادة ظاهر الآية حذراً عن لزوم التكليف بما لا يطاق ، فلابدّ من تأويل فيها بحمل المسارعة إلى المغفرة على المسارعة إلى سببها وهو فعل المأمور به من باب الإضمار ، بتقدير لفظ " السبب " مضافاً إلى المغفرة ، أو التجوّز بإطلاق المسبّب على السبب وتسمية السبب باسم المسبّب . وعلى كلّ تقدير يحصل من الآية كبرى كلّيّة منضمّة إلى صغرى نظريّة مستفادة ممّا دلّ على أنّ الطاعات أسباب لزوال الذنوب كما أنّ التوبة سبب له فيقال : فعل المأمور به سبب من أسباب المغفرة ، وكلّ سبب من أسباب المغفرة يجب المسارعة إليه ، فينتج بأنّ فعل المأمور به يجب المسارعة إليه ، وهو المطلوب . * * وقد يناقش في ذلك : بأنّ مجرّد كون المغفرة فعل الله لا يقضي بامتناع المسارعة إليها ، إذ لا مانع من المسارعة إلى فعل الغير بأن يجعل نفسه مشمولا لفعله ، كما تقول : " سارعوا إلى ضيافة السلطان وإلى إكرامه وإلى إنعامه " ونحوها .