شرح
فإنّ وجوب الفعل عنده في آخر الأزمنة ليس من جهة أنّه إتيان به على وجه
التراخي كما هو معنى القول بالتراخي ، بل هو إتيان به في زمان وجوبه بعينه ، نظراً إلى
زعمه انحلال الأمر الواحد إلى أوامر عديدة على حسب عدد أوقات الإمكان ، فالفعل
في كلّ وقت يؤتى به فيه امتثال للأمر الثابت في ذلك الوقت ، فيكون واقعاً في زمان
الفور بالنسبة إلى ذلك الأمر ، فالقول بالفوريّة على القول بالتكرار لا ينفكّ في الحقيقة عن
شيء من أزمنة إمكان الفعل ، فهذا القائل قائل بوجوب الفور دائماً ولا يعقل عنه القول
بالتراخي فضلا عن وجوبه ، لمنافاته دوام الوجوب المقتضي لانحلال الأمر إلى أوامر
متعدّدة حسبما عرفت .
الأمر الرابع : لا يخفى أنّ من الواجبات ما كان مضيّقاً ومنها ما كان موسّعاً ، والأوّل
يطلق تارةً على ما هو بالمعنى الأخصّ وهو ما كان مضيّقاً من جهة الرخصة والإجزاء ،
كصيام شهر رمضان حيث لا يجوز تأخيره عن وقته ولا يكون مجزياً عن الأمر الأوّل
في غير وقته ، وأُخرى على ما هو بمعناه الأعمّ وهو ما كان مضيّقاً من جهة الرخصة ،
سواء كان كذلك من جهة الإجزاء أيضاً كالمثال المذكور أو لا ، كالحجّ الّذي لا يجوز
تأخيره عن عام الاستطاعة مع كونه مجزياً عن الأمر الأوّل لو أُخّر إلى غير العام الأوّل
وإن ترتّب عليه الإثم .
كما أنّ الثاني أيضاً يطلق تارةً على ما هو الموسّع رخصةً وإجزاءً وهو الموسّع
بالمعنى الأخصّ ، مع كونه موقّتاً كالفرائض اليوميّة أو لا كفريضة الزلزلة وغيرها من
الآيات عدا الكسوفين ، وأُخرى على ما هو بمعناه الأعمّ وهو الموسّع إجزاءً سواء كان
موسّعاً من حيث الرخصة أيضاً كما ذكر أو لا كالحجّ ، وأمّا عكس ذلك فغير معقول عن
العدل الحكيم .
والنسبة بين الأعمّ والأخصّ من كلّ منهما عموم مطلق ، وبين الأعميّن عموم من
وجه ، وبين الأخصيّن تبائن كلّي ، كما أنّ بين أعمّ كلّ وأخصّ الآخر تبائن كلّي ، والوجه
واضح . والظاهر عدم كون شيء من تلك المذكورات مراداً بالفور والتراخي لأنّها من أقسام
الموقّت وهما عندهم ليسا من قبيل الموقّت ، فلذلك ترى الأمر في بعض العناوين مقيّداً
بالإطلاق كما في كلام المصنّف على أحد احتماليه ( 1 ) وإن كان الفور قد يطلق على ما يعمّ
القسم الأوّل من المضيّق ، فإنّه يطلق تارةً على ما هو لازم التعجيل مع عدم كونه محدوداً
بوقت كردّ السلام ، وردّي الوديعة والدين عند المطالبة .
هامش
( 1 ) أوّل الاحتمالين : أن يكون المراد بالأمر المطلق ما تجرّد عن القرائن الخارجة القاضية بإرادة الفور أو
التراخي أو غيرهما .
وثانيهما : أنّ يكون المراد ما لم يكن موقّتاً بأحد قسميه ثابتاً توقيته من الخارج . ( منه ) .