ومن السورة التي يذكر فيها « الصف »
وإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِه يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّه إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّه قُلُوبَهُمْ واللَّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 5 )
قوله سبحانه : * ( فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّه قُلُوبَهُمْ ) * [ 5 ] وهذه استعارة . وكنا أغفلنا الكلام على نظيرها في آل عمران . وهو قوله تعالى : * ( رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا ) * « 1 » لأن ذلك أدخل في باب الكلام على الآي المتشابهة ، وأبعد من الكلام على الألفاظ المستعارة . إلا أننا رأينا الإشارة إلى هذا المعنى هاهنا ، لأنه مما يجوز أن يجرى في مضمار كتابنا هذا ، فنقول :
إن المراد بقوله تعالى : * ( رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا ) * أي لا تحمّلنا من التكاليف ما لا طاقة لنا به ، فتزيغ قلوبنا ، أي تميل عن طاعتك ، وتعدل عن طريق مرضاتك ، فتصادفها زائغة ، أو يحكم عليها الزيغ عند كونها زائغة .
وقد يجوز أن يكون المراد بذلك : أي أدم لنا ألطافك وعصمك لتدوم قلوبنا على الاستقامة ، ولا تزيغ « 2 » عن مناهج الطاعة . وحسن أن يقال : لا تزغ قلوبنا بمعنى الرغبة في إدامة الألطاف ، لما كان إعدام تلك الألطاف في الأكثر يكون عنه زيغ القلوب ، ومواقعة الذنوب .
وقد استقصينا الكلام على ذلك في كتابنا الكبير .
وأما قوله تعالى في هذه السورة : * ( فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّه قُلُوبَهُمْ ) * فهو أوضح فيما يذهب إليه من الأول ، لأنه سبحانه لما زاغوا عن الحق حكم عليهم بالزّيغ عنه ، وحكمه
هامش
( 1 ) سورة آل عمران الآية رقم 8 .
( 2 ) في الأصل « ولا تزغ » وهو تحريف إذ لا محل لجزم الفعل هنا .