شرح
الثاني : عدم ثبوت الحقيقة الشرعية في هذا الباب بوجه ، بل النكاح إنّما هو كالبيع مثلًا ، فكما أنّ الشارع لم يكن له في باب البيع معنى آخر ، بل كان البيع معمولًا عند العقلاء ، غاية الأمر اعتبار الشارع فيه أُموراً وجودية وعدميّة بعد إمضاء البيع بقوله تعالى : * ( أَحَلَّ الله الْبَيْعَ ) * ( 1 )( 1 ) سورة البقرة : 2 / 275 .، الذي معناه إنّ الله تبارك وتعالى أمضى البيع العقلائي ، ولا مجال لأن يقال : إنّ معناه أمضى الله البيع الشرعي لأنّه ضرورية بشرط المحمول ، فكذلك النكاح لا يكون له في بابه معنى آخر ، بل أمضى النكاح العقلائي مع اعتبار أُمور وجوديّة أو عدمية فيه .
ودعوى الفرق بين النكاح وبين البيع من هذه الجهة ممنوعة جدّاً ، ويؤيّد الأمرين إنّ معنى قوله : بعت لا يرجع إلى أوجدت عقد البيع ، بل العقد وجود إنشائي يتحقّق بإيجاد مفهوم البيع بلفظ بعت مثلًا ، وكذا معنى قولها في إيجاب النكاح : أنكحت لا يرجع إلى أنّي أوجدت عقد النكاح بل الوجود الإنشائي المذكور .
إذا عرفت الأمرين فاعلم أنّ معنى النكاح هو الأمر الأوّل ، لكن لا بمعنى نفس العقد الذي هو وجود إنشائي لفظي ، بل بمعنى مدلول العقد الذي هو حصول السلطة للزوج على بضع الزوجة لأنّه المفهوم العرفي من قوله : فلان زوج فلانة ، أي يكون مسلَّطاً على بضعها ولو لم يقع منه وطء أصلًا أو لم يتمكَّن من الوطء ، ولا فرق في هذا المعنى بين أن نقول بانحصار السبب في ألفاظ خاصة ، أو نقول بجريان المعاطاة في النكاح أيضاً وإن كان خلاف الإجماع ظاهراً ، ويؤيّد ما ذكرنا ترتيب وجوب الوطء في زمان خاصّ أو جوازه على النكاح في كلمات الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، فيعلم أنّ النكاح أمر والوجوب أو الجواز أمر آخر .