تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاج العروس — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
قد كانَ جَدُّكَ عِصْمةَ العَرَبِ الأُلَى * فاليَوْمَ أَنْتَ لَهُمْ مِن الأَجْذام ( 1 ) قال : قالَ ابنُ الشَّجري : قولهُ الأُلى يَحْتَمِل وَجْهَيْن : أَحَدُهما أَن يكونَ اسْماً ناقِصاً بمعْنَى الذين ، أَرادَ الأُلَى سَلَفُوا فحذَفَ الصِّلَةَ للعِلْم بها .
[ إلاّ ] : إلاَّ ، بالكسْرِ والتَّشْديدِ : للإسْتِثْناءِ ، وتكونُ حَرْفَ جَزاءٍ أَصْلُها إنْ لا ، وهُما معاً لا يُمالانِ لأنَّهما مِن الأدواتِ حَقًّا . قالَ الجَوْهرِي : يُسْتَثْنى بها على خَمْسِةِ أَوجُهٍ : بعْدَ الإيجابِ ، وبعْدَ النَّفْي ، والمُفَرَّغ ، والمُقَدَّمِ ، والمُنْقَطِع ، فتكونُ في الاسْتِثْناءِ المُنْقَطِع بمعْنى لكن لأنَّ المُسْتَثْنَى مِن غَيْر جِنْسِ المُسْتَثْنَى منه ، انتَهَى . فمثالُ الإيجابِ : قوله تعالى : ( فَشَرِبُوا منه إلاّ قَليلاً ) ( 2 ) ، ونَصْبُ ما بعْدَها بها . قال شيْخُنا : نَصْبُ المُسْتَثْنى بإلاّ هو الأصَحّ مِن أقْوالٍ ثمانِيَةٍ كما في التّسْهيلِ وشُرُوحِه . ومِثالُ النَّفْي : قوله تعالى : ( ما فَعَلُوهُ إلاَّ قَلِيلٌ منهم ) ( 3 ) ، ورَفْعُ ما بعْدَها على أَنَّه بَدَلُ بَعْضٍ ؛ ففي هذه الآيةِ وقعَ في كَلامٍ غَيْر مُوجَب ، والتَّقْديرُ إلاَّ ناسٌ قَليلٌ ، أَي إلاَّ ناساً قليلاً ، فإلاَّ حَرْفُ الاسْتِثْناء ، وقَليلٌ بَدَلٌ ، والمُبْدَلُ منه هو الواو ، ولو كانَ في كَلامٍ مُوجَب لم يَجزِ البَدَل لفَسادِ المَعْنى ، وإنَّما يختارُ البَدَل لعَدَمِ فَسَادِ المَعْنى حينَئِذٍ ، وإذا جعلَ بدلاً كانَ إعْرابه كإعْرابِ المُبْدَل فلا يحتاجُ إلى تَكَلّفٍ ، وإذا كانَ مُسْتَثْنى كانَ مَنْصوباً فيحتاجُ إلى تَكَلّف ، وهو تَشْبِيههٌ بالمَفْعولِ به مِن حيثُ أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما فُضْلَةٌ واقِعةٌ بعْدَ كَلامٍ تامَ ، ثم إنَّ غيرَ المُوجبِ قد يكونُ اسْتِفْهاماً ونَهْياً ، وهذا الاسْتِفْهام يلزمُ أن يكونَ على سَبِيلِ الإنْكارِ مِثالُه قوله تعالى : ( ومَنْ يَغْفر الذُّنوبَ إلاَّ الله ) ( 4 ) ؛ ومِثالُ النَّهْي : لا يَقُمْ أَحَد إلاَّ أَحَد ؛ قالَهُ الرِّضِيُّ . وتكونُ إلاَّ صِفَةً بمنْزِلَةِ غَيْر فيُوصَفُ بها وبتاليها أَو بهما ، جَمْعٌ مُنْكَرٌ أَو شِبْهُه . اعْلَم أنَّ أَصْلَ إلاَّ أَنْ يكونَ للإسْتِثْناء ، وأَصْلَ غَيْر أنْ يكونَ صفَةً تابعَةً لمَا قَبْله في الإعْراب ، وقد يَجْعلُونَ إلاَّ صِفَة حملاً على غَيْر إذا امْتَنَعَ الإسْتِثْناء ، وذلكَ إذا كانتْ إلاَّ تابعَةً لجَمْعٍ مَنْكورٍ غَيْر مَحْصُورٍ ، نحو قولهِ تعالى : ( لو كانَ فيهِما آلِهَةٌ إلاَّ الله لَفَسَدَتَا ) ( 5 ) ، فقَوْلُه إلاَّ تابِعَة لقَوْلهِ آلِهَةٌ ، وقوْلُه : إلاَّ الله صفَةٌ لقوْلهِ آلِهَةٌ ، تَقْديرُ لَوْ كانَ فيهِما آلِهَةٌ غَيْر الله لَفَسَدَتَا ، لأنَّ الجَمْعَ المَنْكور غَيْرُ مَحْصُورٍ يُحْتَمل أن يَتناوَلَ ثلاثَةً فقط ، ولم يكن المُسْتَثْنَى مِن جُمْلةِ الثَّلاثةِ حينَئِذٍ لعَدَمِ إفادَتِه التَّعْمِيم والاسْتِغْراق ، ولأنَّه لو جُعِلت إلاَّ للإسْتِثْناء لكانَ الله مُسْتَثْنى داخلاً في المُسْتَثْنى منه وهو آلِهَة ، فخَرَجَا منها بإلاَّ ، فيَلْزمُ وُجُود الآلِهَة وهو كُفْرٌ ، فإذا امْتَنَعَ الاسْتِثْناءُ جُعِلَت إلاَّ للصِّفَة كغَيْر ، كما جُعِل غَيْر للاسْتِثْناءِ حملاً على إلاَّ . وكذا في قولهِ ، أَي الشَّاعر ، وهو ذُو الرُّمّة ، وهو مِثالٌ للجَمْع شبه المنكر : أُنِيخَتْ فأَلْقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَةٍ * قَليلٌ بها الأصْواتُ إلاَّ بُغامُها ( 6 ) فإنَّ تَعْريفَ الأصْواتِ تَعْريفُ الجنْسِ ، كما مَرَّ ذلكَ للمصنِّفِ في ا ل ل . وقال الجَوْهرِي : وقد يُوصَفُ بإلاَّ ، فإنْ وَصَفْت بها جَعَلْتها وما بعْدَها في مَوْضِع غَيْر وأتْبَعْتَ الاسْمَ بعْدَها ما قَبْلَه في الإعْرابِ فقُلْتَ : جاءَني القَوْمُ إلاَّ زيْدٌ ، كقوله تعالى : لو كانَ فيها آلِهَةٌ إلاَّ الله لَفَسَدَتَا ؛ وقالَ عَمْرُو بنُ مَعْدِيكرب : وكلُّ أَخٍ مفارِقَة أَخُوه * لَعَمْرُ أَبِيكَ إلاَّ الفَرْقدان ( 7 )
هامش
( 1 ) اللسان . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية 249 . ( 3 ) سورة النساء ، الآية 66 . ( 4 ) سورة آل عمران ، الآية 135 . ( 5 ) سورة الأنبياء ، الآية 22 . ( 6 ) ديوانه ص 638 ، والبيت من شواهد القاموس ، والشاهد 112 في مغني اللبيب ذكره مثالا على المعرف الشبيه بالمنكر . ( 7 ) الصحاح واللسان وبدون نسبة في التهذيب ومغني اللبيب الشاهد 114 والتكملة قال الصاغاني : وهكذا أنشده سيبويه ( الكتاب 1 / 371 ) لعمرو ، وليس له وإنما هو لحضرمي بن عامر بن مجمع بن مؤلة بن همام بن ضب بن كعب القين ، وقبله : وكل قرينة قرنت بأخرى * وإن ضنت بها ستفرقان