تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاج العروس — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
كَلَّمَ اللَّهُ ) ( 1 ) ، وعَلامَتُها إمْكانُ سَدَّ بَعْض مَسَدّها ، كقِراءَةِ ابنِ مَسْعودٍ ، رضِيَ اللَّهُ تعالى عنه : ( حتى تُنْفِقُوا بعضَ ما تُحِبُّونَ ) ( 2 ) ؛ ومنه قَوْلُه تعالى : ( رَبّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتي بوادٍ غَيْر ذي زَرْعٍ ) ( 3 ) ، فمن هنا اقْتَضَى التَّبْعِيض لأنَّه كانَ تركَ فيه بعضَ ذُرِّيَّتِه . والثَّالِثُ : لبَيانِ الجِنْسِ ، وكَثيراً ما تَقَعُ بَعْدَما ومَهْما وهُما بها أَوْلَى لإفْراطِ إبْهامِهما ، كقَوْلِه تعالَى : ( ما يَفْتَحِ اللَّهُ للنَّاسِ من رَحْمَةٍ فلا مُمْسِكَ لها ) ( 4 ) ، وقوْلُه تعالى : ( ما نَنْسَخُ مِن آيةٍ ) ( 5 ) ، وقَوْلُه تعالى : ( مَهْما تَأْتِنا به مِن آيةٍ ) ( 6 ) ؛ ومِن وُقُوعِها بَعْد غَيْرهما قَوْلُه تعالى : ( يحلون فيها مِن أَساوِرَ مِن ذَهَبٍ ويَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِن سنْدَس وإسْتَبْرَق ) ( 7 ) ، ونَحْو : ( فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثانِ ) ( 8 ) . والفَرْقُ بينَ مِن للتَّبْعِيض ومِن للتَّبْيِين أَنَّه كانَ للتَّبْعِيضِ يكونُ ما بَعْدَه أَكْثَر ممَّا قَبْلَه كقَوْلِه تعالى : ( وقالَ رجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ ) ( 9 ) ، وإنْ كانَ للتَّبْيِين كانَ ما قَبْلَه أَكْثَر ممَّا بَعْده كقَوْلِه تعالى : ( فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ ) وأَنْكَرَ مَجِيءَ مِن لبَيانِ الجِنْسِ قَوْمٌ وقالوا : هي في ( مِنْ ذَهَبٍ ) و ( مِنْ سُنْدسٍ ) للتَّبْعِيضِ ، وفي ( مِنَ الأَوْثانِ ) للابْتِداءِ ، والمعْنَى فاجْتَنِبُوا مِنَ الأَوْثانِ الرِّجْسَ وهو عِبادَت ُها وفيه تَكَلُّفٌ ، وقَوْلُه تعالَى : ( وَعَدَ اللَّهُ الذينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحات منهم مَغْفِرَةً وأَجْراً عَظِيماً ) ( 10 ) ، للتَّبْيِينِ لا للتَّبْعِيضِ كما زَعَمَ بعضُ الزَّنادِقَةِ الطَّاعِنِينَ في بعضِ الصَّحابَةِ ، والمعْنَى الذين هُم ه ؤلاء ؛ ومنه قَوْلُه تعالى : ( الذينَ اسْتَجابُوا للَّهِ والرَّسُولِ مِن بِعْدَ ما أَصابَهم القرحُ للذينَ أَحْسَنُوا منهم واتَّقُوا أَجْرٌ عَظيمٌ ) ( 11 ) ، وكُلّهم مُحْسِن مُتَّقّ ، وقوْلُه : ( ولئِنْ لم يَنْتَهوا عمَّا يقُولونَ ليَمسَّنَّ الَّذينَ كَفَر ُوا منهم عَذابٌ أَلِيمٌ ) ( 12 ) ، والمقول فيهم ذلِكَ كُلّهم كُفَّار . * قُلْتُ : ومنه قَوْلُه تعالى : ( فإنْ طِبْنَ لكُم عن شيءٍ منه نَفْساً فكُلُوه ) ( 13 ) ، فإن مِنْ هنا للجِنْسِ ، أَي كُلُوا الشَّيءَ الذي هو مَهْرٌ . وقالَ الرَّاغِبُ : وتكونُ لاسْتِغراقِ الجِنْسِ في النَّفْي والاسْتِفْهامِ نَحْو : ( فما منْكُم مِن أَحَدٍ عنه حاجِزِين ) ( 14 ) َ . * قُلْتُ : وقد جُعِلَتْ هذه المَعاني الثَّلاثَةُ في آيةٍ واحِدَةٍ وهو قَوْلُه تعالى : ( ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فيها مِنْ بَرَد ) ( 15 ) ، فالأُوْلى لابْتِداءِ الغايَةِ والثانِيَةُ للتَّبْعِيضِ ، والثالِثَةُ للبَيانِ . وقالَ الرَّاغِبُ : تَقْديرُه : يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ جِبالاً ، فمِنْ الأُوْلى لابْتِداءِ الغايَةِ ( 16 ) ، والثانِيَةُ ظَرْفٌ في مَوْضِع المَفْعولِ ، والثالِثَةُ للتَّبْعِيضِ كقَوْلِكَ عِنْدَه جِبالٌ مِن مالٍ ، وقيلَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ حملَ على ا لظَّرْفِ على أنَّه مُنْزَلٌ عنه ، وقوْلُه : ( مِنْ بَرَد ) نصب أي يُنَزِّلُ مِنَ السَّماء ( ِ مِنْ جِبالٍ ) فيها بَرَداً ؛ وقيلَ : مَوْضِعُ مِنْ في قوْلِه : ( مِن بَرَد ) رَفْع ، ومِنْ جِبالِ نَصْب على أنَّه مَفْعولٌ به كأَنَّه في التَّقْدِيرِ ويُنزِّلُ مِنَ السَّماءِ جِبالاً فيها بَرَد ، وتكونُ الجِبالُ على هذا تَعْظِيماً وتَكْثِيراً لمَا نَزَلَ مِنَ السَّماءِ . و ( * ) الَّرابعُ : بمعْنَى التَّعْلِيلِ كقَوْلِه تعالَى : ( ممَّا خَطاياهُم أُغْرِقُوا ) ( 17 ) ، وقَوْلُه : * وذلكَ من نبإ جاءَني ( 18 ) *
هامش
( 1 ) البقرة ، الآية 252 . ( 2 ) آل عمران ، الآية 92 . ( 3 ) إبراهيم ، الآية 37 . ( 4 ) فاطر ، الآية 2 . ( 5 ) البقرة ، الآية 106 . ( 6 ) الأعراف ، الآية 131 . ( 7 ) الكهف ، الآية 31 . ( 8 ) الحج ، الآية 30 . ( 9 ) غافر ، الآية 28 . ( 10 ) الفتح ، الآية 29 . ( 11 ) آل عمران ، الآية 172 . ( 12 ) المائدة ، الآية 74 . ( 13 ) النساء ، الآية 4 . ( 14 ) الحاقة ، الآية 47 . ( 15 ) النور ، الآية 43 . ( 16 ) عبارة المفردات : فمن الأولى ظرف ، والثانية في موضع المفعول والثالثة للتبيين . ( * ) كذا بالأصل ، والواو ليست من القاموس . ( 17 ) نوح ، الآية 25 والقراءة : خطيئاتهم . ( 18 ) تمامه : " وخبرته عن أبي الأسود " ونسبه بحاشية مغني اللبيب لامرىء القيس .