هامش
ولأضرب مثلًا لما أعني : في الجزء الأخير من المصحف الشريف تعقب سورة « النصر » سورة « الكافرين » ، وسورة « النصر » من آخر ما نزل بالمدينة المنوّرة ، وسورة « الكافرين » من أوّل ما نزل بمكّة المكرّمة ، أي : أنّ بين السورتين أكثر من عشرين سنة ، يطويها القارئ في لحظات سريعة ، وهو ينتهي من هذه ويبدأ في تلك .
السورة الأُولى نزلت في غربة الدين وعناء الدعاة وعناد الكافرين . . نزلت لترسي دعائم التوحيد العملي ، وتمهّد له الطريق مهما فدح الثمن وازدادت العوائق .
والسورة الثانية نزلت وبشائر النصر تلوح في كلّ أُفق ، والقبائل التي نفرت من التوحيد أوّل أمرها أخذت تثوب إليه وتقبل عليه ، وصاحب الرسالة العظيم يستعدّ للعودة إلى ربّه بمزيد من التسبيح والاستغفار بعدما قضى العمر في جهاد يضني الأبطال ويوهي الجبال .
كلتا السورتين تقابل الأُخرى ، كأنّ الأُولى تصوّر البذر ، والأُخرى تصوّر الحصاد !
وأتساءل مرّة أُخرى : هل هذا الشعور مقصود في ترتيب السور ؟
ويعود السؤال على نحو آخر عندما نتدبّر سورة « ق » المكّية بعد سورة « الحجرات » المدنية . إنّ السورة المدنية تبرز طائفة من الآداب المطلوبة في مجتمع مستقرّ ، له قيادة يجب توقيرها وإحسان التلقّي عنها ، مجتمع له مشكلات يجب التلطّف في حلّها ؛ كي تبقى الأُمّة موحّدة الصفوف واضحة الهدف . . أمّا السورة المكّية فإنّ الكلام فيها طال عن البعث والجزاء ، وعن قمع الطبائع المتمرّدة بأهوال النار وشدّة الحساب ، أو استهواء النفوس النائية بالخيرات الحسان والمغفرة الشاملة .
وبين السورتين قرب معنوي وإن فصل بينهما مكان وزمان . فإنّ الأخلاق الزكية والسير الطاهرة إنّما تنبجس من قلب مؤمن ، يعرف اللَّه ويتهيّأ للقائه ويرجو وعده ويخشى وعيده .
إنّ الإيمان باللَّه واليوم الآخر هو العدوّ الأوّل للإباحية والفوضى ، والعنصر الأوّل للتسامي والأدب ، وكأنّ مجيء سورة « ق » بعد سورة « الحجرات » تذكير بمصدر الطاقة الروحية وراء كلّ تربية ناجحة واتّجاه سليم » .
حاجة المسلمين إلى القرآن :
لقد ألّح الشيخ على بيان حاجة المسلمين الماسّة إلى القرآن : « حاجتهم أفراداً ، وحاجتهم -