هامش
الإنسانية امتداد لماضيها البعيد ومهاد لمستقبلها المرتقب ، وعلى المؤمنين أن يلتمسوا العبرة ممّا مضى ؛ ليصونوا يومهم وغدهم ، وهل للتاريخ ثمرة إلّاهذا ؟ ! قال تعالى في سورة يوسف :لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ[ يوسف : 111 ] .
وهذه الآية ختام لفصل متكامل من التاريخ البشري الحافل ، وهو ختام صريح في أنّ القصص القرآني واقع لا خيال ، وأخبارُ صادق لا تأليف مفتعل ، كما يشيع بعض المبشّرين التائهين .
في سورة الرعد حديث مفصّل عن الخلال النبيلة التي يستجمعها أُولو الألباب ، وتضبط مسالكهم كلّها ، والذي يثير الانتباه هنا هو ارتباط الفضائل الإنسانية بالبصر العقلي ، وبراءة المؤمنين من التخبّط الذي يقع فيه العميان وكلّ من ضلّ الطريق !
قال تعالى في الموضع التاسع من ذكر أُولي الألباب :أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ[ الرعد : 19 - 20 ] .
وفي سورة إبراهيم نجد وصفاً للصراع بين الحقّ والباطل ، والآثار القريبة والبعيدة لهذا الصراع ، سواء في دنيا الناس أو في اللقاء الأخير مع ربّ العالمين .
وقد ختمت السورة بهذه الآية :هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ[ إبراهيم : 52 ] » .
واستمرّ الشيخ يتكلّم عن بقيّة المواضع التي ذكر بها ( أُولو الألباب ) بهذا النفس وبهذا البيان .
نظرة في ترتيب سور القرآن :
وللشيخ الغزالي نظرات وتأمّلات عميقة حول القرآن ينفرد بها ، مثل هذه النظرة في ترتيب السور التي سجّلها في كتابه : « علل وأدوية » .
كتب الشيخ يقول : « أحياناً أشعر - وأنا أتلو القرآن - ببعد المسافة الزمنية بين سورة وسورة ، أو آية وآية ، وأتساءل : هل إشعار القارئ بهذه المسافة البعيدة مقصود في سوق الآيات وترتيب السور ؟ -