تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاج العروس — صفحة 501

مساهمون:

ص٥٠١
ووَدِيعَةُ بنُ عَمرو الجُهَنِيُّ ( 1 ) حَلِيفُ بنِي النَّجّارِ : صحابِيّانِ رضي الله عنهما ، الأخِيرُ بَدْرِيٌّ أُحُدِيٌّ . ودَعْهُ ، أي : اتْرُكْهُ ، وأصْلُه ودَعَ يَدَعُ ، كوَضَعَ يَضَعُ ، كما في الصِّحاحِ ومنْهُ الحديثُ : دَعْ ما يُرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ ، وقالَ عمرو بنُ مَعْدِ يَكَرِبَ : إذا لمْ تَسْتَطِعْ أمْراً فدَعْهُ * وجاوِزْهُ إلى ما تَسْتَطِعْ قالَ شَيْخُنا : اخْتَلَفَ أهْلُ النَّظَرِ ، هَلْ دَعْ ، وذَرْ مُتَرادِفَانِ أو مُتَخالِفانِ ؟ فذهَبَ قَوْمٌ إلى الأوَّلِ ، وهُوَ رَأْيُ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ ، وذهَبَ أكْثَرُونَ إلى الفَرْقِ بَيْنَهُمَا ، فقالَ : دَعْ ويَدَعْ يُسْتَعْمَلانِ فيما لا يُذَمُّ مُرْتَكِبُه ، لأنَّه منَ الدَّعَةِ ، وهِيَ الرَّاحَةُ ، ولذا قيلَ لمُفَارَقَةِ النّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً : مُوَادَعَةٌ وعَدَمَ اعْتِدادٍ ، لأنَّهُ منَ الوَذْرِ ، وهُوَ قَطْعُ اللُّحَيْمَةِ الحَقِيرَةِ ، كما أشارَ إليهِ الرّاغِبُ ، فلذا قال تعالى : " أتْدُعُونَ بَعْلاً وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ " ( 2 ) ، دُونَ " تَدَعُونَ " ، معَ ما فيهِ من الجِنَاسِ ، وقيلَ : دَعْ : أمْرٌ بالتَّرْكِ قَبْلَ العِلْمِ ، وذَرْ بَعْدَهُ ، كما نُقِلَ عن الرّازِيِّ ، قيلَ : وهذا لا يُساعِدُه اللُّغَةُ ولا الاشْتِقاقُ ، وقد أُمِيتَ ماضِيهِ ، لا يُقَالُ : وَدَعَهُ وإنَّمَا يُقَالُ في ماضِيهِ : تَرَكَهُ كما في الصِّحاحِ وزادَ : ولا وادِعٌ ، , ولكن تارِكٌ ، ورُبَّمَا جاءَ في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ ودَعَهُ ، وهُوَ مَوْدُوعٌ على أصلهِ وقالَ الشّاعِرُ يُقَالُ : هُو أبو الأسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ ، كما قالَهُ ابنُ جِنِّي ، والّذِي في العُبابِ أنَّه لأنَسِ بنِ زُنَيْمٍ اللَّيْثِيِّ ، ورَوى الأزْهَرِيُّ عن ابْنِ أخِي الأصْمَعِيِّ أنَّ عَمَّهُ أنْشَدَه لأنَس هذا : لَيْتَ شِعْرِي عن خَلِيلي ما الّذِي * غالَهُ في الحُبِّ حتى وَدَعَهْ وآخرهُ : لا يَكُنْ بَرْقُكَ بَرْقاً خُلَّباً * إنّ خَيرَ البَرْقِ ما الغَيْثُ مَعَهْ وقالَ ابنُ بَرِّيّ : وقدْ رُوِيَ البَيْتَانِ لهُمَا جَمِيعاً ، وقالَ خُفَافُ بنُ نُدْبَةَ : إذا ما اسْتَحَمَّتْ أرْضُه منْ سَمَائِهِ * جَرَى وهُوَ مَوْدُوعٌ وواعِدُ مَصْدَقِ أي مَتْرُوكٌ لا يُضْرَبُ ولا يُزْجَرُ ، كما في الصِّحاحِ . قلتُ : وفي كِتابِ تَقْوِيمِ المُفْسَدِ والمُزَالِ عن جِهَتِه ( 3 ) لأبي حاتِمٍ أنّ الرِّوايَةَ في قَوْلِ أنَسِ بنِ زُنَيْمٍ السّابِقِ : غالَهُ في الوَعْدِ ومَنْ قالَ : في الوُدِّ فقد غَلِطَ ، وقالَ : كأنَّه كانَ وَعدَه شَيئاً . قلتُ : ويَدُلُّ لهذهِ الرِّوايَةِ البَيْتُ الّذِي بَعْدَهُ ، وقدْ تقَدَّمَ . وقالَ ابنُ بَرِّيّ في قَوْلِ خُفَافٍ الّذِي أنْشَدَهُ الجَوْهَرِيُّ مَوْدُوعٌ هُنا منَ الدَّعَةِ ، الّتِي هِيَ السُّكُونُ لا منَ التَّرْكِ ، كما ذكَرَ الجَوْهَرِيُّ أي : أنَّهُ جَرَى ولمْ يَجْهَدْ . وفي اللِّسانِ : وَدَعَهُ يَدَعُهُ : تَرَكَه ، وهي شاذَّةٌ ، وكلامُ العَرَبِ دَعْنِي وذَرْنِي ، ويَدَعُ ويَذَرُ ، ولا يَقُولونَ : وَدَعَتُك ، ولا وَذَرْتُكَ ، اسْتَغْنَوا عنْهَا بتَرْكْتُكَ ، والمَصْدَرُ فيهما : تَرْكاً ، ولا يُقَالُ : وَدْعاً ولا وَذْراً ، وحكاهُمَا بَعْضُهُم ، ولا وادِعٌ ، وقدْ جاءَ في بَيْت أنْشَدَهُ الفارِسِيُّ في البَصْرِيّاتِ : فأيُّهُما ما أتْبَعَنَّ فإنَّنِي * حَزِينٌ على تَرْكِ الّذِي أنا وادِعُ قالَ ابنُ بَرِّيّ : وقدْ جاءَ وادِعٌ في شِعْرِ مَعْنِ بنِ أوْسٍ : عليهِ شَرِيبٌ لَيِّنٌ وادِعُ العَصَا * يُسَاجِلُهَا حَمّاتِه وتُسَاجِلُهْ وأنْشَدَ الصّاغَانِيُّ لسُوَيْدٍ اليَشْكُرِيِّ يَصِفُ نَفْسَه : فسَعَى مَسْعاتَه في قَوْمِه * ثُمَّ لمْ يُدْرِكْ ، ولا عَجْزاً وَدَعْ ( 4 ) وأنْشَدَ ابنُ بَرِّيّ له ( 5 ) أيضا : سَلْ أمِيرِي ما الّذِي غَيَّرَه * عنْ وِصالِي اليَوْمَ حتى وَدَعَهْ وأنْشَدَ الحافِظُ بنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ :
هامش
( 1 ) بالأصل أو الجهني وحذفنا أو لموافقة السياق في أسد الغابة . ( 2 ) سورة الصافات الآية 125 . ( 3 ) بالأصل تقديم المغر والنزال عن جبهته والمثبت عن المطبوعة الكويتية . ( 4 ) بالأصل ولا عجز ودع والمثبت عن اللسان . ( 5 ) كذا بالأصل وفي اللسان : لسويد بن أبي كاهل .