تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاج العروس — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
وأنشد : ياليتَ شِعري عنْكُمُ حَنيفا * وقد جدعناَ مِنكمُ الأنوفا وأنشد ( 1 ) : ليتَ شِعري مُسافرَ بنَ أبي عَمْ * رٍو ، وليتٌ يقولها المَحْزُونُ أي ليت علمي ، أو ليتني عَلمتُ ، وليتَ شِعري من ذلك ، أي ليتني شَعرتُ ، وفي الحديث : ليتَ شِعريِ ما صنعَ فُلانٌ " أي ليتَ عِلمي حاضرٌ ، أو مُحيطٌ بما صنع ، فحذف الخبر ، وهو كثيرٌ في كلامهم . وقال سيبويهِ : قالوا : ليتَ شِعرتي ، فحذفوا التاءَ مع الإضافةِ للكثرةِ ، كما قالوا ذهبَ بعُذْرَتِها ، وهو أبو عُذْرِها ، فحذفوا التاءَ مع الأبِ خاصة ، هذا نصُّ سِيبويهِ ، على ما نقله صاحب اللسان وغيره ، وقد أنكرَ شيخنا هذا على سيبويه ، وتوقف في حذفِ التاءِ منه لزُوماً ، وقال : لأنه لم يُسْمعْ يوماً من الدَّهْر شِعْرتي حتى تدَّعى أصالةُ التاء فيه . قلت : وهو بحْثٌ نفيسٌ ، إلا أنَّ سيبويه مُسلَّمٌ له إذا ادّعى أصالةَ التاء ، لوقوفه على مَشْهور كلامِ العرب وغريبه ونادره ، وأما عدمُ سماع شِعْرتي الآن وقبل ذلك ، فلهَجْرهم له ، وهذا ظاهرٌ ، فتأمَّلْ في نص عبارة سيبويه المُتقدِّم ، وقد خالف شيخُنا في النَّقل عنه أيضاً ، فإنه قال : صرَّحَ سيبويهِ وغيره بأنّ هذا أصلُه ليتَ شِعْرِتي ، بالهاء ثم حذفوا الهاءَ حذْفاً لازماً . انتهى . وكأنّهُ حاصِلُ معنى كلامه . ثم قال شيخُنا : وزادُوا ثالثةً وهي الإقامةُ إذا أضافوها ، وجعلوا الثّلاثة من الأشْباه والنّظائر ، وقالوا : لا رابعَ لها ، ونظمها بعضهم في قوله : ثلاثةٌ تُحْذَفُ ها آتُها * إذا أُضيفَتْ عند كُلّ الرُّواهْ قولُهُم : ذاكَ أبو عُذْرِها * وليْتَ شِعْرِي ، وإقام الصَّلاهْ وأشْعَرهُ الأمْرَ ، وأشْعَرَهُ به : أعْلَمه إيّاه ، وفي التَّنْزيل : ( وما يُشْعرُكم أنّهاَ إذا جاءتْ لا يُؤْمِنون ( 2 ) أي وما يُدرِيكُم . وأشْعَرْتُه فشعر ، أي أدْريْته فدرى . قال شيخنا : فشعرَ إذا دخلتْ عليه همزةُ التعْديةِ تعدَّى إلى مفعولين تارةً بنفسه ، وتارةً بالباءِ ، وهو الأكثرُ لقولهم : شَعرِ به دون شَعرَه ، انتهى . وحكى اللّحياني : أشْعَرْتُ بفلان : أطْلعْتُ عليه وأشْعرتُ به : أطْلعْتُ عليه ، انتهى ، فمقتضى كلامِ اللّحيانيّ أنْ أشْعرَ قد يتعدّى إلى واحدٍ ، فانظره . والشٍّعْرُ ، بالكسر ، وإنمَّا أهملَه لشُهْرته , وهو كالعلْمِ وَزْناً ومَعْنى ، وقيل : هو العِلْمُ بدقائقِ الأمور ، وقيل : هو الإدْراكُ بالحَواسّ ، وبالأخير فُسِّرَ قولُه تعالى : ( وأنْتُم لا تَشْعُرونَ ( 3 ) ) ، قال المصنَّف في البصائر : ولو قالَ في كثيرٍ مما جاءَ فيه لا يشعرون : لا يعقلون ، لم يكنْ يجوز ، إذْ كان كثيرٌ ( 4 ) مما لا يكونُ محسوساً قد يكونُ مَعْقُولاً ، انتهى ، ثم غلبَ على منْظُومِ القولِ : لشرفه بالوزنِ والقافيةِ ، أي بالتزامِ وزنهِ على أوزان العربِ ، والإتيان له بالقافية التي تربطُ وزنه وتُظهر معناه ، وإن كان كلُّ عِلمٍ شِعراً [ من ] ( 5 ) حيثُ غلبَ الفِقهُ على عِلمِ الشرع ، والعُودُ على المَندل ، والنجمُ على الثريا ، ومثلُ ذلك كثيرٌ . وربما سموا البيتَ الواحدَ شِعراً ، حكاه الأخفشُ ، قال ابن سيده : وهذا عندي ليس بقوىّ إلا أن يكون على تَسمية الجُزءِ باسم الكُلّ . وعلل صاحبُ المفرداتِ غلبته على المنظومِ بكونهِ مُشتملاً على دقائقِ العربِ وخفايا أسرارها ولطائفها ، قال شيخنا : وهذا القولُ هو الذي مالَ إليه أكثرُ أهلِ الأدبِ ، لِرقتهِ وكمال مناسبتهِ ، ولما بينه وبينَ الشعر - مُحركةً - من المناسبة في الرقة ، كما مال إليه بعضُ أهلِ الاشتقاق ، انتهى .
هامش
( 1 ) في التهذيب : وأنشد بين أبي طالب بن عبد المطلب . ( 2 ) سورة الأنعام الآية 109 . ( 3 ) سورة الزمر الآية 55 وسورة الحجرات الآية 2 . ( 4 ) عن المفردات للراغب ، وبالأصل " كثيرا " تحريف . ( 5 ) زيادة عن اللسان .
تاج العروس — صفحة 27 | علي شيري / مرتضى الزبيدي