تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاج العروس — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
وقلِّةِ مالهم . قلتُ : وعلى هذا فَسَّرُوا حديث : " كَذَبَ النَّسّابُون " أَي : وجب الرُّجوعُ إِلى قولهم . وقد أَوْدَعْنَا بيانَه في " القَول النفيس في نَسبِ مولاي إِدريس " . وفي لسان العرب ، عن ابْنِ السِّكّيتِ . تقول للرَّجُل إذا أَمَرَتْهُ بشْيءٍ وأَغْرَيْتَهُ : كَذَبَ عليك كَذا وكَذا ، أي : عليك : به ، وهي كَلِمَةٌ نادِرة . قالَ : وأَنشد ابْنُ الأَعْرابِيّ لخِداشِ بْنَ زُهَيْرٍ : كَذَبْتُ عَلَيْكُم أَوْعدُونِي وعَلِّلُوا * بِيَ الأرْضَ والأَقْوَامَ قِرْدَانَ َمْوظَبَاً أَيْ : عليكم بي ( 1 ) وبهجائي إذا كنتم في سفر ، واقْطَعُوا بذكْرِي الأَرْضَ وأنْشِدُوا القوم هِجائي يا قرْدانَ مَوْظَب . وقال ابْن الأثِير في النِّهَاَيِة ، والزَّمَخْشَرِيُّ في الفائق : في الحديثِ " الحِجَامَةُ على الرَّيقِ فيها شِفاءٌ وَبَرَكَة ، فمن احْتَجَم فَيَوْمُ الأَحَد والخَميس كَذَباك ، أو يَوْمُ الاثْنَيْنِ والثَّلاثاءِ " معنى كَذَباك : أَيْ عليك : بهما . قال الزَّمَخْشَرِيُّ : هذه كلمةٌ جَرتْ مَجْرَى المَثَلِ في كلامهم ، فلذلك لم تَتصرّفْ ، ولَزِمَتْ طريقةً واحدةً ، في كونها فعلاً ماضياً مُعَلَّقاً بالمخاطَب وَحْدَهُ ( 2 ) ، وهي في معنى الأَمر . ثُمَّ قالَ ( 3 ) : فمعنى قوله : كَذَباك ، أَيْ لِيَكْذِبَاك ، ولْيُنَشِّطاكَ وَيَبْعَثاك على الفعْل . قلت : وقد تقدَّمَتِ الإشارَةُ إليه . ونقل شيخُنا عن كتاب حلى العلاءِ في الأَدب ، لعبد الدّائمِ بْنِ مَرزُوق القَيْرَوانِيّ : أَنّه يُرْوي " العَتيِقَ " بالرَّفْع والنَّصْب ، ومعناه : ليكَ العَتِيقَ وماءَ شَنٍّ . وأَصله : كَذَبَ ذاكَ عليكَ العَتِيقَ ؛ ثُمّ حُذِفَ عليك ، وناب كَذَبَ مَنابَهُ ، فصارتِ العربُ تُغْرِي به . وقال الأعلمُ في شرح مُخْتَار الشُّعراءِ السِّتَّةِ عندَ كلامه على هذا البيت : قوله كَذَبَ العَتِيقُ : أَيْ عليكَ بالتَّمْرِ ؛ والعربُ تقول : كَذَبَكَ التَّمْرُ واللَّبَنُ ، أَيْ : عليك بهما . وأَصلُ الكَذبِ والإمكانُ . وقولُ الرَّجُل : كَذَبْتَ ، أَيْ : أَمكَنْتَ من نَفْسِك وضَعُفْتَ ، فلهذا اتُّسِعَ فيه فأُغْرِيَ به ؛ لأَنّه متى أُغْرِيَ بشَيْءٍ ، فقد جُعِل المُغْرَي به مُمْكِناً مُستطاعاً إِنْ رامَهُ المُغْرَي . وقال الشّيخُ أَبو حَيّانَ في شرح التَّسْهيل ، بعدَ نقلِ هذا الكلام : وإِذَا نَصَبْتَ ، بَقِيَ كَذَبَ بلا فاعل على ظاهر اللفَّظ . والّذي تقتضيه القواعدُ أَن هذا يكونُ من باب الإِعمال ، فكذَبَ ، يَطْلُبُ الاسْمَ على أَنَّه فاعلٌ ، وعليكَ ، يطلُبُه على أَنهّ مفعولٌ ، فإِذا رفعنا الاسمَ بكَذَبَ ، كان مفعولُ عليك محذُوفاً ، لفهم المعنى ، والتّقْدير : كَذَبَ عليكُم الحَجُّ ، وإِنّمَا التُزِمَ حَذفُ المفعول لأِنّه مكانُ اختصار ، ومحرَّفٌ عن أَصل وَضْعِه ، فجَري لذلك مَجْرَى الأَمثالِ في كَوْنها تُلْتَزَمُ فيها حالةٌ واحدةٌ ، لا يُتَصَرَّفُ فيها . وإِذا نَصَبْتَ الاسْمَ ، كان الفاعلُ مُضْمَراً في كَذَبَ ، يُفّسُره ما بَعدَهُ ، على رأْي سِيبَوَيْه ، ومحذوفاً على رأْي الكِسائيّ ، انتهى . ومن المَجَاز : حَمَلَ عليه فما كَذَّبَ تَكْذِيباً ، أَيْ : ما انْثَنَى وما جَبُنَ ، وما رَجَع . وكذلك حَمَلَ فما هَلَّلَ ، وحَمَلَ ثم كَذَّبَ ، أَيْ : لم يَصْدُقِ الحَمْلَةَ ، قال زُهَيْرٌ : لَيْثٌ بِعَثَّرَ يَصْطَادُ الرِّجَالَ إِذا * ما اللَّيْثُ كَذَّبَ عن أَقْرَانِه صَدَقا وفي الأَساس : معناه ( 4 ) كَذَّبَ الظَّنَّ به ، أَو جعل حَمْلَتَهُ كاذِبَة . ومن المجاز أَيضاً : قولُهم : ما كذَّبَ أَنْ فَعَلَ كَذَا تكذيباً ، أَيْ ما كَعَّ ، ولا لَبِثَ ، ولا أَبْطَأَ وفي حديث الزُّبَيْرِ : أَنَّهُ حَمَلَ يومََ اليَرْمُوكِ على الرُّوم ، وقال لِلْمُسْلِمِينَ : " إِنْ شَدَدْتُ ( 5 ) عليهم ، فَلاَ تُكَذِّبُوا أَيْ لا تَجْنُبُوا وتُوَلُّوا . قال شِمِرٌ يُقَالُ للرَّجُل إِذا حَمَلَ ، ثُمَّ وُلَّى ، ولَمْ يَمْضِ : قَدْ كَذَّبَ عن قِرْنه تكذيباً ؛ وأَنشد بيتَ زُهَيْر . والتَّكْذِيبُ في القِتَالَ ضِدُّ الصِّدْقِ فيه ، يقال : صَدَقَ القِتَال ، إِذا بَذَلَ فيه الجِدَّ ، وكَذَّبَ : إِذا جَبُنَ ؛ وحَمْلَةٌ كاذِبَةٌ : كما قالُوا في ضِدّهَا : صادِقَة ، وهي المصدُوقَةُ والمكذُوبَة في الحَمْلة . وفي الصِّحاح تَكَذَّبَ فلانٌ : تَكَلَّفَ الكَذِبَ . وتكذَّبَ فُلاناً ، وتَكَذَّبَ عليه : زَعَمَ أَنّه كاذِبٌ ، قال أََبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، رَضِيَ اللهُ عنه :
هامش
( 1 ) معناه : لست لكم وإذا لم أكن ولم أعنكم كنت منابذا لكم ومنتفية نصرتي عنكم ، ففي ذلك إغراء منه لهم به . ( 2 ) في الفائق : " ليس إلا " بدل " وحده " . ( 3 ) هذه عبارة النهاية واللسان نقلا عن الزمخشري . انظر الفائق 2 / 402 . ( 4 ) وذلك معنى أنه حمل فلان ثم كذب . ( 5 ) كذا بالأصل والنهاية واللسان ، وفي غريب الهروي : شددتم .
تاج العروس — صفحة 362 | علي شيري / مرتضى الزبيدي