فليقض بما في كتاب الله ، فان جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه صلى
الله عليه وسلم ، ومثل ذلك عن ابن عباس وهو كثير في كلام السلف والعلماء وهو الوجه
في تفرقة الحنفية بين الفرض والواجب ( 1 ) وهذا الدليل صالح للدلالة على المبنى الأول
في التقدم الرتبي ، أي مع قيامه لا ينظر إلى السنة ، ولا تعتبر دليلا .
وهذا المذهب من أغرب المذاهب إذ كيف يعقل الاستغناء بالكتاب عن السنة ومنها بيانه
وشروحه وشروط أحكامه وأدلتها ، فهل يكتفي ابن مسعود أو عمر أو ابن عباس ، لو صح عنهم
ذلك ، بالرجوع إلى الكتاب والاكتفاء به في حكم واحد من الأحكام فضلا عن جميع ما ورد
فيه منها ، وهم يعلمون من طريقة الكتاب في البيان هي الاتكال على القرائن المنفصلة ،
والسنة هي الكفيلة ببيانها ، وكيف يسوغ لهم العمل بظواهره مع هذا الاحتمال ؟ .
على أن هذه الأقوال لا تصلح للاستدلال بها لأنها لا تمثل أكثر من رأي أصحابها لو
أرادوا ظواهرها ، وهو بعيد ، وهم ليسوا بمعصومين ليجب علينا التعبد بها .
نعم في اقرار النبي ( ص ) لمعاذ ما يصلح للاستدلال ، باعتبار ان الاقرار من السنة ،
فالاستدلال بها استدلال بالسنة ، الا أن الكلام في صحة رواية معاذ ، وسيأتي في مبحث
القياس اثبات أنها من الموضوعات .
فالحق ان السنة في مجالات الاستدلال صنو للكتاب وفي رتبته ، بل هما واحد من حيث
انتسابهما إلى المشرع الأول وهو الله عز وجل ، ولا
هامش
( 1 ) أصول الفقه للخضري ، ص 237 .