والصالحين من عباد الله ، الذين نزهوا أنفسهم من كل رجس ، فإنهم يستطيعون ادراكه عن
طريق المشاهدة ، نعم ان تأويل القرآن سوف ينكشف يوم تقوم الساعة .
نحن نعلم جيدا ان احتياج المجتمع المادي ، دفع الانسان إلى الكلام ، ووضع الكلمات
وكذا كيفية الاستفادة من الألفاظ ، فالانسان في حياته الاجتماعية مضطر ان يبدي ما في
ضميره من مفاهيم إلى أبناء نوعه ، ويستمد العون في هذا عن طريق الصوت والأذن ، وقلما
استفاد من الإشارة أو حركة العين ، ومن هنا نجد ان التفاهم لا يحصل بين افراد صم عمي ،
لان ما يقوله الأعمى لا يسمعه الأصم ، وما يقوم به الأصم من الإشارات لا يراها
الأعمى ، فعلى هذا فان وضع الكلمات ، وتسمية الأشياء ما هو الا لرفع الاحتياجات
المادية ، وقد اصطنعت الكلمات للأشياء والأوضاع والأحوال المادية التي تقع في متناول
الحس ، أو على مقربة من المحسوس ، وكما نشاهد في موارد ، إذا كان المخاطب فاقدا لإحدى
الحواس ، وأردنا التكلم معه عن طريق ذلك الحس المفقود ، نلجأ إلى نوع من التمثيل
والتشبيه ، فعلى سبيل المثال ، إذا أردنا ان نصف لشخص أعمى منذ الولادة ، النور
والضياء ، وإذا أردنا ان نصف لطفل لم يبلغ سن البلوغ ، لذة العمل الجنسي ، فإننا نقوم
بنوع من المقارنة والتشبيه المناسب .
فعليه إذا افترضنا ان هناك في الكون واقعيات ليست بمادة ( وواقع الامر هكذا ) فهناك
من البشر في كل عصر ، لا يتجاوز عددهم عدد الأصابع ، لهم القدرة على ادراكها
ومشاهدتها ، وهذه الأمور لا يمكن توضيحها للآخرين عن طريق البيان اللفظي والفكر
الاعتيادي ، ولا يسعنا الإشارة إليه الا بالتمثيل والتشبيه . فالله تعالى يقول في
كتابه العزيز انا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ، وانه في أم الكتاب لدينا
لعلي حكيم 1 أي لا يتوصل إليه الفهم
هامش
( 1 ) سورة الزخرف الآية 3 ، 4 .