تختم بها البحث : يقضى أبلغ قضاء وينادى أرفع نداء ، ويدل أوضح دلالة ، ويفيد أجلى
مفاد : أن ما رواه صاحب البحر عن الإمام يحيى ، غلط من أغاليط العلماء ، وخطأ من جنس
ما يقع للمجتهدين وهذا شأن البشر . والمعصوم من عصمه الله . وكل عالم يؤخذ من قوله
ويترك ، مع كونه رحمه الله من أعظم الأئمة أنصافا وأكثرهم تحريا للحق وإرشادا
وتأثيرا ، ولكننا رأيناه قد خالف من عداه بما قال : من جواز بناء القباب على القبور
رددنا هذا الاختلاف إلى ما أوجب الله الرد إليه . وهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله
عليه وسلم . فوجدنا في ذلك ما قدمنا ذكره من الأدلة الدالة أبلغ دلالة ، والمنادية
بأعلى صوت بالمنع من ذلك والنهي عنه ، واللعن لفاعله والدعاء عليه . واشتداد غضب الله
عليه ، مع ما في ذلك من كونه ذريعة إلى الشرك ، ووسيلة إلى الخروج عن الملة كما
أوضحناه . فلو كان القائل بما قاله الإمام يحيى بعض الأئمة أو أكثرهم لكان قولهم ردأ
عليهم ، كما قدمناه في أول هذا البحث . فكيف والقائل به فرد من أفرادهم ؟ وقد صح عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد " ، ورفع
القبور وبناء القباب والمساجد عليها ليس عليها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
كما عرفناك ذلك فهو رد على قائله ، أي مردود عليه .
والذي شرع للناس هذه الشريعة الإسلامية هو الرب سبحانه بما أنزله في كتابه وعلى
لسان رسوله صلى الله عليه وسلم .
فليس لعالم - وإن بلغ من العلم إلى أرفع رتبة وأعلى منزلة - أن يكون بحيث يقتدى به
فيما خالف الكتاب والسنة أو أحدهما ،
شرح الصدور بتحريم رفع القبور — صفحة 17
مساهمون: محمد بن علي الشوكاني
ص١٧