مثل مشايخ المعتزلة في تعليمهم معرفةَ الصانع ، كمَثَل شخصٍ أراد أن يُعرّف غيرَه النارَ ، فقال : يا هذا معرفتها تحتاج إلى أسباب :
أحدها : حجر ولا يوجد إلا في طريق مكَّةَ .
والثاني : حديد وصفتُه كذا وكذا .
والثالث : حُراق « 1 » على هذه الصفة .
والرابع : مكان خالٍ عن شدّة الهواء ، فأخذَ هذا المسكينُ في تحصيل هذه الأسباب .
ولو قال له في أوّل الحال : إنّ هذا الجسم المضيء الذي تشاهده هو النار التي تطلبها ، لأراح واستراح .
فمِثل هذا المعلَّم حقيق أنْ يقال : إنّه قد أضلّ ، ولا يقال : إنّه قد هدى ؛ إذ عدل بالخلائق في معرفة الخالق إلى تلك الطرائق الضيّقة البعيدة ، وضيّق عليهم سبيلَ الحقيقة كما عدل مَن أراد تعريف النار المعلومة بالاضطرار إلى استخراجها من الأحجار » « 2 » .
أقول : هذا حال الكلام الذي كان في أوّل الإسلام ، ولا شكّ أنّه ما كان بهذه المثابة من البحث والخصومة ، فما ظنّك بهذه المباحَثات والخصومات الشائعة في زماننا .
وليت شعري أنّ هؤلاء الجماعةَ هل لهم دليل عقلي أو نقلي على وجوبه أو استحبابه أو مجرّدُ تقليد وأنّهم وجدوا آباءهم وأسلافهم على أُمّة وأنّهم على
هامش
« 1 » الحرّاق : ما يقدح به النار والحراق والحراقة : ما تقع فيه النار عند القرح . والعامّة تقوله بالتشديد . « لسان العرب » ج 10 ، ص 42 ، « حرق » .
« 2 » « كشف المحجّة » ص 65 67 .