السؤال إنّما يرد مع الاتّحاد بكلّ وجه . وإنّما قلنا إنّ « الرحمن » أشدّ مبالغةً من « الرحيم » ؛ لأنّه على وزن « فَعْلان » كغَضْبان ، و « الرحيم » على وزن « فعيل » كعظيم ، وقد ذكر أهل العربيّة أنّ « فَعْلان » أبلغُ مِن « فَعيل » « 1 » ، فإذا قيل لامرأةٍ « معطار » ولأُخرىَ « مِعطير » كان معناه أنّ « معطارَ » أكثرُ تعطيراً من « معطير » .
وثانيها
: أنّ « الرحمن » اشترك فيه العربية والعبرانية والسريانية ، و « الرحيم » مختصّ بالعربية ، فأراد تعالى أنْ يَصِفَ نَفْسَه بالخاصّ والمشترك .
وثالثها
: أنّ ذكرهما على جهة التأكيد لا المعنى الآخر .
ولا يخلو من نظر : لعدم مطابقته التأكيد اللفظي والمعنوي : أمّا المعنوي فظاهر . وأمّا اللفظي فلاختلافِ أَبْنِيَةِ اللفظيْن ، والظاهر اشتراط الاتّحاد كما هو الواقع في أمثلتهم .
ورابعها
: أنّ بينهما تغايراً بالاعتبار يُصَحّحُ الجمعَ ، وهو أنّ « الرحمن » مِن الأسماءِ المختصّةِ به تعالى لا يُشْرِكُه فيها أحد غيره لغةً ولا عرفاً ؛ ولهذا قَرَنَ سبحانه بينه وبين لفظ « الله » الذي قد سَلَفَ عَدَمُ إطلاقِه على غيره في قوله تعالى * ( قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَه الأَسْماءُ الْحُسْنى ) * . « 2 » وما قيل في مُسَيلمة الكذّاب : إنّه « رحمان اليمامة » « 3 » نوعُ تعظيمٍ وجرأةٍ وغَلَطٍ حتّى غالى بعض أوليائه بقوله :
سَمَوْتَ بالمجد يا ابن الأكرمَين أباً * وأنتَ غَيْثُ الورى لا زِلْتَ رحمانا
« 4 » وأمّا « الرحيم » فسمّي به غيره حقيقةً قابلاً وفاعلاً ، بِجَعْل « فَعيل » بمعنى مفعول ، كقَتيل وجَريح ، فبهذا الاعتبار كان « الرحيم » أعمّ من « الرحمن » .
هامش
« 1 » قال في « الإتقان في علوم القرآن » ج 3 ، ص 324 : « فائدة : الأكثر على أنّ فَعلان أبلغ من فعيل » .
« 2 » الإسراء ( 17 ) : 110 .
« 3 » هذا قول بني حنيفة في مسيلمة ، كما في « الكشاف » ج 1 ، ص 7 ، ذيل الآية 1 من الحمد ( 1 ) .
« 4 » لرجلٍ من بني حنيفة يمدح مسيلمة الكذّاب ، كما في « الكشّاف » ج 1 ، ص 7 ، ذيل الآية 1 من الحمد ( 1 ) .