واعلم أنّك قد عرفت أنّ التقوى شطران : اكتساب ، واجتناب ، فالأوّل : فعل الطاعات ، والثاني : ترك المعاصي . وهذا الشطر هو الأشدّ ورعايته أوْلى ؛ لأنّ الطاعة يقدر عليها كلّ أحد ، وترك المعاصي لا يقدر عليه إلا الصدّيقون ؛ ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله : « المهاجر من هاجر السوء ، والمجاهد من جاهد هواه » « 1 » .
وكان صلَّى الله عليه وآله وسلم إذا رجع من الجهاد يقول : « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » « 2 » ، يعني جهاد النفس .
وأيضاً فإنّ شطر الاجتناب يزكو مع حصول ما يحصل معه من شطر الاكتساب وإنْ قلّ ، ولا يزكو ما يحصل من شطر الاكتساب مع ما يفوت من شطر الاجتناب وإنْ كثر ؛ ولذلك قال صلَّى الله عليه وآله وسلم : « يكفي من الدعاء مع البرّ ما يكفي الطعام من الملح » « 3 » .
وقال صلَّى الله عليه وآله وسلم في جواب من قال : إنّ شجرنا في الجنّة لكثير : « نعم ، ولكن إيّاكم أنْ ترسلوا عليها نيراناً فتحرقوها » « 4 » .
وقال صلَّى الله عليه وآله وسلم : « الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب » « 5 » .
إلى غير ذلك من الآثار الواردة بذلك .
هامش
« 1 » « المجازات النبويّة » ص 210 ؛ « إحياء علوم الدين » ج 3 ، ص 71 ؛ « تنبيه الخواطر » ج 1 ، ص 96 ؛ « الجامع الصغير » ج 2 ، ص 550 ، ح 9175 ، وليس فيها الفقرة الأُولى .
« 2 » « الكافي » ج 5 ، ص 12 ، باب وجوه الجهاد ، ح 3 ؛ « إحياء علوم الدين » ج 3 ، ص 71 ؛ « تنبيه الخواطر » ج 1 ، ص 97 .
« 3 » « عدّة الداعي » ص 284 .
« 4 » « عدّة الداعي » ص 248 ، 293 .
« 5 » « الترغيب والترهيب » ج 3 ، ص 547 ؛ « الجامع الصغير » ج 1 ، ص 232 ، ح 3817 ؛ « روضة الواعظين » ج 2 ، ص 424 .