وتساهل فيه حتّى فاته ، وناهيك به حسرةً وغبناً . « 1 » وهكذا تُعْرَضُ عليه خزائنُ أوقاته طول عمره ، فيقول لنفسه : اجتهدي اليوم في أنْ تَعْمُري خزائنكِ ولا تَدَعيها فارغةً عن كنوزك التي هي أسباب ملككِ ، ولا تميلي إلى الكسل والدعة والاستراحة فيفوتَكِ من درجات علَّيّين ما يدركه غيرك ، وتبقى عندك حسرة لا تفارقك ، وإنْ دخلتِ الجنّة ، فألَم الغبن وحسرته لا يطاق وإنْ كان دون ألَم النار .
وقد قال بعض الكاملين : « هب أنّ المسئ عفي عنه أليس قد فاته ثوابُ المحسنين ؟ ! » « 2 » .
أشار بذلك إلى الغبن والحسرة . وقال ( جلّ جلاله ) * ( يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ) * « 3 » .
فهذا وما جرى مجراه أوّل مقام المرابطة مع النفس ، وهي المحاسبة قبل العمل .
وأمّا محاسبتها بعده ، فليكن في آخر النهار ساعة يطالب فيها النفس ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها ، كما يفعل التاجر في الدنيا مع الشريك في آخر كلّ يوم أو شهر أو سنة ؛ خوفاً [ من ] « 4 » أنْ يفوته منها ما لو فاته لكانت الخيرة في فواته ، ولو حصّل بخير لا يبقى إلا أيّاماً قليلة .
وكيف لا يحاسب العاقل نفسه فيما يتعلَّق به خطر الشقاوة أو السعادة أبد الآباد ؟ ! .
هامش
« 1 » « إحياء علوم الدين » ج 4 ، ص 419 ؛ « تنبيه الخواطر » ج 1 ، ص 233 .
« 2 » « إحياء علوم الدين » ج 4 ، ص 419 ؛ « تنبيه الخواطر » ج 1 ، ص 233 .
« 3 » التغابن ( 64 ) : 9 .
« 4 » ما بين المعقوفين أضفناه من « إحياء علوم الدين » ج 4 ، ص 428 . وقارِن هذه العبارة مع ما ذكره الغزّالي .